لم يعد من الممكن اليوم الحديث عن الحملات الانتخابية، من دون الحديث عن شبكات التواصل الاجتماعي، فمع كل استحقاق انتخابي جديد تتراجع الأدوات التقليدية للدعاية السياسية لصالح المنصات الرقمية، التي أصبحت تشكل الفضاء الرئيسي للتنافس على انتباه الناخبين وكسب تأييدهم.
ويبدو أن انتخابات المجلس الشعبي الوطني المقررة يوم 2 يوليو 2026 تمثل نموذجا واضحا لهذا التحول، حيث فرضت مواقع التواصل الاجتماعي، وعلى رأسها فيسبوك، نفسها باعتبارها الفاعل الاتصالي الأكثر حضورا وتأثيرا في المشهد الانتخابي الجزائري.
يأتي ذلك في سياق منافسة انتخابية واسعة تضم أكثر من 10168 مترشحا داخل الوطن و528 من الجالية الوطنية بالخارج يتنافسون على 407 مقاعد برلمانية، وأمام هذا العدد الكبير من المترشحين، أصبح الوصول إلى الناخبين عبر القنوات التقليدية أمرا مكلفا وصعبا، الأمر الذي دفع العديد منهم إلى تحويل هواتفهم الذكية وصفحاتهم الشخصية إلى منصات انتخابية متكاملة.
لقد كشفت هذه الحملة عن انتقال واضح من «السياسة الميدانية» إلى «السياسة الرقمية»، فبعدما كانت التجمعات الشعبية والملصقات واللقاءات الجوارية هي الوسائل الأساسية للتواصل مع الناخبين، أصبحت المنشورات الرقمية ومقاطع الفيديو القصيرة والبث المباشر والصور التفاعلية، تحتل موقع الصدارة في الاستراتيجيات الاتصالية للمترشحين، وأصبح السباق الحقيقي يدور حول من يحقق انتشارا أكبر وتفاعلا أكثر وقدرة أعلى على صناعة المحتوى القابل للتداول عبر المنصات الاجتماعية.
أصبح فيسبوك فاعلا أساسيا في تشكيل الرأي العام الانتخابي، وأصبح الذكاء الاصطناعي شريكا جديدا في صناعة الصورة السياسية، وأصبحت الخوارزميات لاعبا مؤثرا في توجيه الانتباه الجماهيريمن منظور علوم الإعلام والاتصال، فإن ما نشهده اليوم لا يتعلق فقط بتغير وسائل الحملة الانتخابية، بل بتغير طبيعة الاتصال السياسي نفسه، فالفضاء العمومي الذي تحدث عنه الفيلسوف الألماني يورغن هابرماس، لم يعد مقتصرا على الصحافة والإذاعة والتلفزيون، بل أصبح فضاء رقميا مفتوحا تصنعه الخوارزميات وتوجهه تفاعلات المستخدمين، وأصبح الناخب يتلقى رسائله السياسية عبر شاشة هاتفه أكثر مما يتلقاها عبر وسائل الإعلام التقليدية.
غير أن الملاحظة الأكثر إثارة للاهتمام خلال هذه الحملة تتمثل في هيمنة الصورة على الخطاب السياسي، فالمتابع للصفحات الانتخابية يلاحظ أن البرامج والمشاريع والرؤى السياسية، أصبحت أقل حضورا مقارنة بالصور الشخصية ومقاطع الفيديو القصيرة والمحتوى البصري المصمم بعناية.
لقد دخل الاتصال السياسي مرحلة يمكن وصفها بـ»سياسة الصورة»، حيث باتت الصورة في كثير من الأحيان أكثر تأثيرا من الفكرة نفسها.
وفي هذا السياق برز الذكاء الاصطناعي كأحد أهم أدوات الحملة الانتخابية الرقمية، فقد لجأ عدد من المترشحين إلى استخدام تطبيقات توليد الصور وتحسينها لإنتاج صور ذات جودة احترافية تظهرهم في هيئات مختلفة، وضمن مشاهد مدروسة بعناية، بعض هذه الصور يصور المترشح في بيئات رمزية مرتبطة بالوطن، أو الشباب، أو التنمية، فيما تذهب صور أخرى إلى أبعد من ذلك عبر بناء صورة ذهنية مثالية للمترشح تتجاوز حدود الواقع.
ولا يتعلق الأمر هنا بمجرد تطور تقني، بل بتحول عميق في آليات التأثير والإقناع، فالصورة المولدة بالذكاء الاصطناعي لا تنقل الواقع بالضرورة، بل تسعى إلى صناعة واقع رمزي جديد يستهدف التأثير في الإدراك والانطباعات الأولية للناخبين، وهو ما يطرح أسئلة جوهرية حول أخلاقيات الاتصال السياسي وحدود استخدام التكنولوجيا في الحملات الانتخابية.
من زاوية أخرى، أفرزت هذه الحملة ما يمكن تسميته «وهم الشعبية الرقمية»، فبعض المترشحين أصبحوا يقيسون نجاحهم بعدد الإعجابات والتعليقات والمشاركات التي تحققها منشوراتهم، في حين تؤكد دراسات قياس جمهور وسائل الاتصال، أن التفاعل الرقمي لا يعكس بالضرورة السلوك الانتخابي الحقيقي، فالمستخدم الذي يضغط زر الإعجاب ليس بالضرورة ناخبا، والناخب الذي يتابع المحتوى الرقمي ليس بالضرورة مصوتا لصاحبه.
لقد ساهمت الخوارزميات أيضا في إعادة تشكيل قواعد المنافسة الانتخابية، فالمنصات الرقمية لا تمنح الجميع فرصا متساوية للوصول إلى الجمهور، بل تمنح الأفضلية للمحتوى الأكثر إثارة وقدرة على جذب التفاعل، ونتيجة لذلك أصبح بعض المترشحين يركزون على صناعة محتوى يحقق الانتشار، أكثر من تركيزهم على تقديم برامج سياسية متكاملة، وهو ما أدى إلى انتقال جزء من المنافسة الانتخابية من مستوى الأفكار إلى مستوى التسويق الرقمي.
كما أن الحملة الحالية كشفت عن بروز ما يمكن تسميته بـ»المترشح المؤثر»، وهو نموذج جديد يجمع بين العمل السياسي ومنطق صناعة المحتوى الرقمي، فبعض المترشحين أصبحوا يعتمدون على تقنيات المؤثرين الرقميين في إدارة صفحاتهم، من خلال التصوير الاحترافي، السرد القصصي، البث المباشر والتفاعل اللحظي مع المتابعين، بما يجعل الحدود بين الاتصال السياسي والتسويق الرقمي أكثر ضبابية من أي وقت مضى.
ومع ذلك، فإن الرهان الحقيقي لا يكمن في عدد المتابعين، أو حجم التفاعل الإلكتروني، وإنما في قدرة المترشح على بناء الثقة والمصداقية، إن الناخب الجزائري رغم انفتاحه المتزايد على المنصات الرقمية، ما يزال يميز بين الصورة والواقع، وبين الدعاية والإنجاز، وبين الحضور الافتراضي والحضور الميداني.
إن تشريعيات 2026 لا تمثل فقط موعدا لاختيار ممثلي الشعب في البرلمان، بل تشكل أيضا مختبرا حقيقيا لدراسة التحولات التي يشهدها الاتصال السياسي في الجزائر، لقد أصبح الفيسبوك فاعلا أساسيا في تشكيل الرأي العام الانتخابي، وأصبح الذكاء الاصطناعي شريكا جديدا في صناعة الصورة السياسية، وأصبحت الخوارزميات لاعبا مؤثرا في توجيه الانتباه الجماهيري.
ومن المرجح أن تشهد الاستحقاقات الانتخابية المقبلة حضورا أكبر لهذه التقنيات، الأمر الذي يجعل من الضروري تطوير ثقافة إعلامية ورقمية لدى المواطنين، تمكنهم من قراءة الرسائل السياسية بوعي ونقد وتمييز بين المحتوى الحقيقي والمحتوى المصمم خصيصا للتأثير في اتجاهات الرأي العام، فالمعركة الانتخابية في العصر الرقمي لم تعد تدور فقط حول من يمتلك أفضل برنامج، بل أيضا حول من يمتلك أفضل قدرة على إدارة حضوره داخل الفضاء الرقمي.
باحث في الإعلام الرقمي ـ الجزائر.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك