كلما صدرت حركة ترقيات أو إعادة هيكلة في قطاع التعليم، انشغل الناس بمسميات جديدة لم تكن مألوفة من قبل؛ مستشار أول أساليب تعليم، خبير جودة تعليمية، مستشار بناء وتحصيل، خبير تطوير تعلم، وغيرها من الألقاب التي تتكاثر عاماً بعد عام.
ويتكرر السؤال ذاته: ماذا تعني هذه المسميات؟ وما الفرق بينها؟ وهل أحدثت فرقاً حقيقياً في الميدان؟في الترقيات الأخيرة لوزارة التعليم، لفت انتباه كثيرين ترقية أربعة موظفين إلى المرتبة الخامسة عشرة على وظيفة «مستشار أول أساليب تعليم».
وربما كان السؤال الأهم ليس لماذا تمت ترقية أربعة أشخاص على المسمى نفسه، فذلك أمر تنظيمي معتاد في الوظائف المتخصصة، بل: ما الذي يضيفه هذا المسمى إلى التعليم نفسه؟الحقيقة أن مفهوم «أساليب التعليم» في أدبيات الإدارة الحكومية الحديثة أوسع من مجرد التدريس داخل الفصل الدراسي.
فهو يشمل كل ما يتعلق بطرائق نقل المعرفة، وتصميم البرامج التعليمية والتدريبية، وبناء المبادرات التوعوية، وتطوير أدوات التعلم وقياس أثرها.
ولهذا نجد مثل هذه المسميات في جهات متعددة، وليس في وزارة التعليم وحدها.
لكن الإشكالية ليست هنا.
الإشكالية أن التعليم العربي عموماً، والسعودي خصوصاً، أصبح في بعض مراحله أسيراً للمسميات أكثر من انشغاله بالنتائج.
فكل عدة سنوات يظهر مصطلح جديد، وإدارة جديدة، ومسمى جديد، ثم يختفي ليحل محله مسمى آخر.
مرة نتحدث عن الجودة التعليمية، ثم عن نواتج التعلم، ثم عن التحصيل الدراسي، ثم عن التميز المؤسسي، ثم عن الأداء المدرسي، ثم عن البناء المعرفي، ثم عن أساليب التعليم.
وفي كل مرة نشعر وكأننا أمام مشروع جديد، بينما المدرسة ذاتها ما زالت تنتظر معالجة تحدياتها القديمة، والمعلم ما زال يواجه أعباء متزايدة، والطالب ما زال يبحث عن تعليم أكثر إلهاماً وأقرب إلى حياته.
ليست المشكلة في المصطلحات؛ فلكل علم لغته، ولكل مرحلة أدواتها ومفاهيمها.
لكن المشكلة حين تتحول المصطلحات إلى غاية بحد ذاتها، أو حين يصبح تغيير الاسم إنجازاً يُحتفى به أكثر من تغيير الواقع.
فالمدرسة لا يهمها كثيراً إن كان المسؤول يحمل لقب مستشار أساليب تعليم أو خبير جودة تعليمية.
ما يهمها أن تجد دعماً حقيقياً يرفع مستوى التعلم.
والمعلم لا يشغله كثيراً اسم الإدارة التي تتبعه بقدر ما يشغله أن يحصل على تدريب نافع وصلاحيات واضحة وبيئة عمل مستقرة.
والطالب لا يسأل عن الهيكل التنظيمي للوزارة أصلاً؛ لأنه يريد في النهاية درساً جيداً، ومعلماً متمكناً، ومنهجاً يفتح له أبواب المستقبل.
لقد أمضينا سنوات طويلة في تطوير الهياكل والمسميات والأنظمة، وربما آن الأوان لأن نعود إلى السؤال البسيط الذي يسبق كل شيء: ماذا يحدث داخل الفصل الدراسي؟هناك تبدأ القصة الحقيقية للتعليم، وهناك تُقاس النتائج الفعلية، وهناك يتحدد نجاح أي وزارة أو فشلها.
أما المسميات، مهما بدت براقة ومتجددة، فستظل مجرد لافتات إدارية إذا لم تنعكس آثارها على الطالب والمعلم والمدرسة والمنهج.
المفارقة أن التعليم ليس علماً غامضاً حتى نختبئ خلف هذا الكم من المصطلحات.
فالعالم كله يعرف أن أي نظام تعليمي ناجح يقوم على أربعة أركان واضحة: معلم جيد، ومنهج جيد، ومدرسة جيدة، وقيادة تعليمية جيدة.
وما عدا ذلك أدوات مساندة وليست جوهر القضية.
لكننا في كثير من الأحيان نتعامل مع الأدوات وكأنها هي القضية نفسها.
نستهلك أوقاتاً طويلة في إعادة تسمية الإدارات، وإعادة تصنيف الوظائف، وإعادة إنتاج المفاهيم، بينما يزداد شعور الميدان بأن أحداً لا يسأله السؤال الأهم: ماذا تحتاجون فعلاً؟هل يحتاج المعلم إلى مسمى جديد أم إلى تخفيف الأعباء الإدارية التي تسرق وقته من التدريس؟هل يحتاج الطالب إلى إدارة جديدة أم إلى منهج أكثر ارتباطاً بالحياة؟هل تحتاج المدرسة إلى لقب مستحدث أم إلى صلاحيات وموارد تمكنها من أداء رسالتها؟المشكلة أن البيروقراطية بطبيعتها تعشق المسميات.
فالمسمى يعطي شعوراً بالحركة حتى لو لم يتحرك شيء.
ويمنح انطباعاً بالتطوير حتى لو بقي الواقع كما هو.
ولهذا تتكاثر الألقاب أسرع مما تتكاثر الحلول.
ولنكن أكثر صراحة؛ المواطن لا يعنيه كثيراً وجود مستشار أول أو خبير أول أو قائد أول أو مشرف أول.
ما يعنيه أن يرى ابنه يخرج من المدرسة أكثر معرفة وثقة وقدرة على المنافسة.
وما يعنيه أن يجد المعلم محترماً وممكناً ومتفائلاً بمهنته.
وما يعنيه أن تصبح المدرسة مكاناً للتعلم لا مصنعاً للتقارير والمنصات والنماذج.
فالتعليم لا ينهض بمسمى جديد، إنما بفكرة جيدة تُطبق، ومعلم يُمكَّن، ومدرسة تُدعم، وطالب يجد في تعلمه معنى وقيمة وأملاً للمستقبل.
لقد وصلنا إلى مرحلة أصبح فيها التعليم محاطاً بطبقات كثيفة من المصطلحات واللوائح والهياكل، حتى كاد الأصل يختفي خلف التفاصيل.
ولهذا فإن السؤال الذي يجب أن يسبق كل مسمى جديد وكل إدارة جديدة وكل وظيفة جديدة هو: ما الأثر الذي سيشعر به الطالب داخل الفصل الدراسي؟إذا لم تكن هناك إجابة واضحة ومباشرة عن هذا السؤال، فالأرجح أننا لا نطور التعليم، بل نطور اللغة التي نتحدث بها عن التعليم.
التعليم لا يحتاج مزيداً من الأسماء.
التعليم يحتاج مزيداً من النتائج.
يحتاج أن نكف عن تدوير المصطلحات، وأن نعود إلى المكان الذي تبدأ منه الحكاية كلها: معلم يشرح، وطالب يتعلم، ومدرسة تنجح في صناعة المستقبل.
أما ما عدا ذلك، فقد يكون مهماً.
لكنه ليس التعليم نفسه.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك