كان الهدف التي أصابته القذائف الأمريكية متحفا بسيطا في مظهره، لكنه احتوى على إرث مادي مذهل للإمبراطورية الرومانية كان عبارة عن سفينتين ضخمتين بُنيتا بأمر من الإمبراطور الشهير كاليغولا.
لم تمر سوى ساعات قليلة حتى تصاعد دخان كثيف من المبنى، ليتحول إلى حريق هائل التهم بسرعة السفينتين الخشبيتين بالكامل، ولم ينجُ سوى الهيكل الخرساني للمتحف الذي لحقت به أضرار طفيفة فقط.
هكذا، في غضون ساعات، اختفت تحفتان فنيتان نادرتان بقيتا صامدتين لما يزيد على تسعة عشر قرنا، لتعكس نهايتهما تناقضات الحضارة الإنسانية بين الإبداع الباذخ والتدمير العبثي.
كان كاليغولا، الذي حكم روما بين عامي 37 و41 بعد الميلاد، شخصية تاريخية اشتهرت بمجونها ودمويتها، ولكنها أيضا تميزت بشغفها الجامح بحياة البذخ والترف الذي لا يعرف حدودا.
على ضفاف بحيرة نيمي الهادئة، الواقعة على بعد 30 كيلومترا جنوب روما، تجسّد هذا الشغف المحموم في مشروع هندسي فريد تمثل في سفينتين ضخمتين أشبه بقصرين عائمين، زينت أرضيتهما بالرخام وبالفسيفساء، وزودتا بجميع وسائل الرفاهية من أنظمة تدفئة متطورة وحمامات فخمة وغرف استقبال واسعة.
وصف المؤرخ الروماني سوتونيوس السفينتين بأنهما كانتا" مليئتين بالحمامات الواسعة والمعارض والصالونات"، ومزروعتين بأشجار الكروم والفاكهة.
لم تكن هاتان السفينتان وسيلة نقل تقليدية، بل كانتا مسرحا شخصيا لكاليغولا لاستعراض قوته وتفرده، ومجالا لحياة الملذات.
بعد اغتيال كاليغولا عام 41 ميلادي، أهملت السفينتان، وغرقتا في مياه البحيرة العميقة حيث بقيتا في سبات طويل لقرون عديدة.
مع ذلك، لم يُنس مكانهما تماما.
منذ العصور الوسطى، تناقل السكان المحليون حكايات عن سفن غارقة في القاع، بل وبدأ بعض الصيادين والمغامرين باستخدام الخطافات لاستخراج قطع أثرية وبيعها للزوار.
شهدت القرون اللاحقة، وخصوصا منذ القرن الخامس عشر، سلسلة من المحاولات الفاشلة لانتشال ما اعتقد الناس أنه كنز أسطوري، إلا أن المفارقة التاريخية تكمن في أن من نجح أخيرا في تحقيق هذا الحلم لم يكن عالم آثار، بل الدكتاتور الإيطالي بينيتو موسوليني، الذي رأى في انتشال السفينتين رمزا لعظمة روما التي سعى لإحيائها.
بين عامي 1928 و1932، تم تجفيف جزء كبير من بحيرة نيمي في عملية هندسية ضخمة، لتنكشف السفينتان للعيان بعد قرون طويلة.
لحماية هذا الاكتشاف الاستثنائي، بُني متحف خاص فوق موقع البحيرة، وافتتح في عام 1940 ليحفظ السفينتين من عوامل الزمن.
لكن القدر كان يحمل لهما نهايةً مأساوية أخرى.
في خضم الحرب العالمية الثانية، وفي ليلة 31 مايو 1944، اشتعلت النيران في المتحف ودمرت السفينتين تدميرا كاملا.
هنا تبدأ رواية متشعبة تحاول تحديد المسؤول عن هذا الفقدان الأثري الفادح.
التقرير الرسمي الأولي لقوات الحلفاء في عام 1944 برأ القصف المدفعي واتهم القوات الألمانية المنسحبة بإشعال الحريق عمدا، واصفا الفعل بأنه" جريمة متعمدة ضد الحضارة".
لكن رواية أخرى، ظلت تتردد لسنوات، أشارت إلى أن القذائف الأمريكية هي التي تسببت في هذه الكارثة.
بعد عقود من الغموض، جاء بحث أجراه المؤرخان الإيطاليان فلافيو ألتامورا وستيفانو باولوتشي في عام 2023 ليميل بكفة الميزان نحو هذه الرواية الثانية.
توصّل المؤرخان من خلال دراسة الوثائق العسكرية وسجلات الميدان إلى أن قذائف أطلقتها وحدة مدفعية أمريكية حوالي الساعة الثامنة مساء هي التي أصابت سطح المتحف، وأن الشظايا أشعلت الخشب المعالج بالقطران في السفينتين.
ويعتقد الباحثون أن تقرير الحلفاء الأولي تجاهل عمدا هذه الأدلة في إطار الحرب الدعائية، لتحميل الألمان مسؤولية تدمير تراث ثقافي.
رغم فقدان السفينتين، إلا أن شذرات من تاريخهما بقيت تتجلى في مفارقات غريبة.
في سبتمبر 2017، اكتُشفت في شقة بمدينة نيويورك لوحة رخامية فسيفسائية رائعة كانت تزين أرضية إحدى السفينتين، مستخدمة كطاولة قهوة عادية من قبل جامع تحف! تمت مصادرة القطعة وإعادتها إلى إيطاليا.
وفي نهاية القرن العشرين ظهر مشروع لبناء نسخة طبق الأصل بالحجم الكامل للسفينة الأولى من بحيرة نيمي، بالاستناد إلى الرسومات والصور المحفوظة، إلا أن المشروع بقي على الورق، ولم يتحقق حلم استعادة سفينتي كاليغولا الضخمتين والفخمتين اللتين تحدتا الزمن وبقيتا سالمتين تقريبا قرونا عديدة في قاع بحيرة إلى أن حولتهما نيران المدفعية الأمريكية داخل المتحف إلى رماد.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك