ارتبط اسم نبتة الكوكا في أذهان العالم بالكوكايين وتجارة المخدرات، إلا أن هذه الصورة لا تعكس سوى جانب أكثر تعقيداً في بوليفيا، حيث أوراق الكوكا ركيزة للهوية الثقافية ومصدر رزق لمئات الآلآف من الأسر.
كما تحولت خلال العقدين الماضيين إلى أحد أبرز عناوين المشروع السياسي والاقتصادي للحكومات اليسارية.
واعتبرت لعقود طويلة مادة محظورة.
على ارتفاعات شاهقة في جبال الأنديز، وفي سهول تشاباري الاستوائية، يواصل عشرات الآلاف من المزارعين البوليفيين زراعة نبتة أثارت جدلاً دولياً لم يهدأ منذ عقود.
أوراق الكوكا، التي تحمل لدى الشعوب الأصلية معاني الهوية والتراث والعلاج، باتت اليوم في قلب معادلة اقتصادية بالغة التعقيد، تتشابك فيها أرقام الإنتاج المتصاعدة مع ضغوط دولية متجددة.
وفي كولومبيا، أكبر منتج للكوكايين في العالم، أنفقت واشنطن مليارات الدولارات على برامج مكافحة المخدرات والقضاء على المحاصيل رغم استمرار ارتفاع الإنتاج، وفقاً لصحيفة" نيويورك تايمز".
وبينما ترى واشنطن إلى الكوكا باعتبارها المادة الخام الأساسية لإنتاج الكوكايين، ترى الحكومات البوليفية المتعاقبة، ولاسيما اليسارية، أنها محصول زراعي مشروع يختزل السكان الأصليين، ويوفر مورداً اقتصادياً يصعب الاستغناء عنه.
ومع التحولات السياسية التي تشهدها البلاد، عاد الجدل بشأن مستقبل هذا القطاع وما إذا كانت الحكومة ستواصل الدفاع عنه أم ستتبنى سياسة أكثر تشدداً استجابة للضغوط الدولية.
ووفقاً لـ" نيويورك تايمز"، يزرع المزارعون في مناطق محددة من بوليفيا أوراق الكوكا لبيعها في أسواق تديرها الدولة.
ورغم إنتاج الكوكايين في البلاد فإن حجم الإنتاج يقل عن نظيره في كولومبيا وبيرو.
من 4 آلاف هكتار إلى 34 ألفاً في نصف قرنلا تروي أرقام زراعة الكوكا في بوليفيا قصة محصول عادي، بل تعكس تحولات اقتصادية عميقة.
ففي عام 1977 لم تتجاوز المساحة المزروعة 4,100 هكتار بإنتاج 1.
63 مليون كيلوغرام، لترتفع بحلول عام 1987 إلى ما لا يقل عن 48,000 هكتار بإنتاج 45 مليون كيلوغرام، فيما تضاعف عدد المزارعين من 7,600 إلى أكثر من 40,000 خلال العقد نفسه.
موجة توسع أججتها طفرة الطلب الأميركي على الكوكايين وانهيار الاقتصاد الريفي في آنٍ معاً.
وأسفرت حملات الاجتثاث القسري المدعومة أميركياً عن تقليص المساحات المزروعة بصورة حادة.
ثم عادت إلى الذروة في التسعينيات بنحو 50,000 هكتار، قبل أن تنخفض إلى 20,200 هكتار عام 2015 في أعقاب سياسة الرقابة المجتمعية التي أرسى دعائمها إيفو موراليس، لتستأنف صعودها مجدداً وتبلغ 25,500 هكتار عام 2019.
ووفق أحدث بيانات مكتب الأمم المتحدة المعني بالمخدرات والجريمة (UNODC)، ارتفعت المساحة المزروعة بنسبة 4% عام 2023 لتبلغ 31,000 هكتار، متجاوزةً الحد القانوني البالغ 22,000 هكتار.
ولم يتوقف المنحنى عند هذا الحد، إذ سجّل عام 2024 ارتفاعاً إضافياً بنسبة 10% ليستقر الإجمالي عند 34,000 هكتار.
يونغاس وتشاباري: قطبان لمحصول واحديتوزع الإنتاج جغرافياً بين منطقتين متمايزتين في طبيعتهما وتاريخهما، إذ تنتج يونغاس لاباز المنطقة التاريخية الممتدة في جبال الأنديز، نحو ثلثي المحصول الوطني، بنسبة 57% من إجمالي المساحة المزروعة وفق بيانات 2024، فيما تشكل منطقة تشاباري 42% من المساحة المتبقية.
غير أن الفارق بين المنطقتين لا يقتصر على الجغرافيا.
بينما تحظى يونغاس بحماية تاريخية ضمن الإطار القانوني الناظم للزراعة، تحولت تشاباري إلى معقل الحركة الكوكالية ومركز ثقلها النقابي، وكانت مسرحاً للمواجهات الأعنف إبان حقبة الاجتثاث القسري المدعوم أميركياً في الثمانينيات والتسعينيات.
من نبات مقدس إلى قضية سياسيةنص دستور عام 2009 على اعتبار الكوكا جزءاً من التراث الوطني تأكيداً للهوية الأصلية ورفضاً للسياسات الخارجية الخاصة بالمخدرات.
وفي عام 2012 انسحبت بوليفيا من الاتفاقية الدولية للمخدرات، ثم عادت إليها في العام التالي بعد حصولها على استثناء يسمح باستخدام الكوكا داخل أراضيها.
وفي عام 2017 أصدرت قانوناً ينظم زراعة الكوكا والاتجار بها واستهلاكها، ما ارسى إطاراً قانونياً للسوق المحلية.
وبذلك تحولت الكوكا من محصول يواجه حملات الإتلاف، إلى قطاع اقتصادي يخضع لتنظيم الدولة ويعد جزءاً من استراتيجيتها التنموية.
وشكل وصول الرئيس السابق إيفو موراليس، وهو زعيم سابق لاتحاد مزارعي الكوكا، نقطة تحول في سياسة بوليفيا تجاه هذا النبات.
فقد رفع موراليس شعار" نعم للكوكا.
لا للكوكايين"، في محاولة للفصل بين الاستخدام التقليدي المشروع للأوراق وبين تجارة المخدرات، معتبراً أن الحرب الدولية على الكوكا استهدفت المزارعين والسكان الأصليين أكثر مما استهدفت شبكات الاتجار بالكوكايين.
في السياق، يرسم القانون البوليفي حدوداً صارمة للزراعة المشروعة، لكن الواقع يتخطاها مراراً.
في عام 1988، وتحت ضغط أميركي مكثف، أصدرت بوليفيا قانون 1008 الذي حدد سقف الزراعة القانونية بـ12,000 هكتار في المناطق التقليدية، مع إخضاع أي فائض للاجتثاث القسري.
ورفع قانون الكوكا العام الصادر عام 2017 هذا السقف إلى 22,000 هكتار، وهو الحد المعمول به اليوم.
بيد أن الفجوة بين القانون والواقع تتسع؛ إذ كشفت بيانات UNODC أن المساحة المزروعة عام 2024 تفوق الحد القانوني بأكثر من 12,000 هكتار، ما يضع السلطات أمام معضلة حوكمة بالغة الحساسية.
ملايين الدولارات في الميزانيوفر حجم التداول في الأسواق المرخصة مؤشراً مباشراً على ثقل هذا القطاع، إذ بلغ حجم أرواق الكوكا المتداولة في الأسواق المعتمدة 24.
702 طن متري عام 2023، قبل أن يقفز إلى 29,636 طناً مترياً عام 2024، بارتفاع يناهز 20% في غضون عام واحد.
وعلى صعيد القيمة، قُدِّر سوق أوراق الكوكا الجافة عام 2017 بما بين 303 و374 مليون دولار، أي ما بين سبعة و8.
7% من الناتج المحلي الإجمالي للقطاع الزراعي، مقارنةً بـ265 مليون دولار عام 2009، حين كانت تمثل 14% من إجمالي المبيعات الزراعية و2% من الناتج المحلي الإجمالي للبلاد.
وتتوزع وجهات التداول الداخلي بحيث تستقطب مقاطعة سانتا كروز النسبة الأكبر بـ38%، تليها تاريجا بـ17%، ثم بوتوسي بـ13% وكوكابامبا بـ12%.
مئة ألف أسرة في مواجهة المجهوليكتسب هذا الملف أبعاداً إنسانية تجعل أي قرار ذا تداعيات بعيدة المدى.
إذ يقدر عدد الأسر التي يعتمد رزقها مباشرة على زراعة الكوكا وحصادها الأولي بأكثر من 100 ألف أسرة، فضلاً عن شرائح واسعة تعمل في قطاعات النقل والتجهيز والتجارة المرتبطة بالمحصول.
وعلى الصعيد الدولي، لا تزال بوليفيا تحتل المرتبة الثالثة عالمياً في مساحة زراعة الكوكا، بعد كولومبيا التي تزرع 253,000 هكتار والبيرو بـ93,000 هكتار، وإن كانت حصتها من السوق العالمية قد تراجعت من 20% عام 2010 إلى 8% عام 2023.
في المقابل، ومنذ تولي الحكومة اليمينية الوسطية بقيادة الرئيس رودريغو باز السلطة في نوفمبر/تشرين الثاني 2025، وصف وزير الداخلية ماركو أنطونيو أوفيدو الأرقام المتصاعدة بأنها انعكاس لـ" تساهل ساد في سنوات الحوكمة اليسارية"، متعهداً بالعمل المكثف للحد من الزراعة غير المرخصة.
ويبدو التحول في الاستراتيجية الأمنية جلياً، إذ أعلن المسؤول المكلف بمكافحة الاتجار بالمخدرات أن وكالة DEA الأميركية ستعود إلى بوليفيا قريباً، بعد 17 عاماً على طردها عام 2008.
في المقابل، يرى المزارعون ومنظماتهم النقابية أن أي سياسة تتجاهل الأبعاد الاجتماعية والثقافية والاقتصادية لزراعة الكوكا محكومة بالفشل، مستندين إلى تاريخ طويل من المواجهات لم تُسفر قط عن نتائج دائمة.
وبين هذين الموقفين، تبقى" الورقة المقدسة" محور نزاع يتشابك فيه الاقتصاد بالسياسة، والتراث بمتطلبات الدبلوماسية الدولية، في بلد لا تزال الأرض فيه تُملي قراراتها على الحكومات قبل أن تفعل الخرائط والقوانين.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك