يشكل قرار خفض أسعار المحروقات في سوريا أول اختبار عملي لآلية التسعير الجديدة التي أعلنتها الحكومة، والقائمة على مراجعة الأسعار بشكل دوري وربطها بتطورات الأسواق العالمية والمؤشرات الاقتصادية المحلية، في تحول يهدف إلى الابتعاد عن سياسة التسعير الثابتة التي سادت خلال السنوات الماضية.
وأثار القرار، الذي خفّض أسعار البنزين والديزل والغاز المنزلي والصناعي بنسب تراوحت بين أكثر من 14 و20 في المئة، تساؤلات بشأن العوامل التي دفعته، وما إذا كان يعكس تراجع أسعار النفط العالمية، أم تحسن سعر صرف الليرة السورية، والأهم مدى قدرته على خفض تكاليف النقل والإنتاج وانعكاسه على أسعار السلع والخدمات في الأسواق.
وفي حين تؤكد الحكومة أن القرار يستند إلى دراسة فنية واقتصادية وآلية مرنة لمراجعة الأسعار، يرى اقتصاديون أن نجاح هذه السياسة يتطلب قدراً أكبر من الشفافية في إعلان منهجية التسعير والبيانات التي تستند إليها اللجنة الدائمة لتحديد أسعار المشتقات النفطية.
خطوة مرتبطة بالسوق العالميةيرى مدرس المصارف في كلية الاقتصاد بجامعة دمشق، الدكتور سامر قصار، أن قرار خفض الأسعار جاء نتيجة لعمل اللجنة الدائمة لتحديد أسعار المحروقات، التي تضم خبراء من عدة وزارات، إضافة إلى مصرف سوريا المركزي، معتبراً أن القرار استند إلى" دراسة وإحصاءات تعكس الواقع الاقتصادي".
وأوضح، خلال مداخلة على شاشة تلفزيون سوريا، أن تراجع أسعار النفط الخام عالمياً عقب التهدئة الأخيرة بين الولايات المتحدة وإيران انعكس سريعاً على الأسعار المحلية، مشيراً إلى أن أسعار النفط انخفضت بنحو 30 إلى 32 في المئة، وأن الحكومة نقلت هذا الانخفاض مباشرة إلى أسعار المشتقات النفطية، وهو ما اعتبره مؤشراً إيجابياً يمكن أن ينعكس خلال فترة قصيرة على أسعار السلع والخدمات.
وأضاف أن الحكومة لم ترفع أسعار المحروقات مباشرة خلال فترة ارتفاع أسعار النفط العالمية، بل تحملت الفارق لأكثر من شهرين، رغم ارتفاع سعر خام برنت من نحو 60 دولاراً إلى ما يقارب 100 دولار، حفاظاً على استقرار الاقتصاد المحلي الذي يعتمد بدرجة كبيرة على المشتقات النفطية.
وأشار إلى أن سوريا ما تزال تنتج نحو نصف احتياجاتها فقط من المشتقات النفطية، في حين تستورد النصف الآخر، ما يجعل الأسعار المحلية مرتبطة بشكل مباشر بتقلبات الأسواق العالمية.
انعكاسات متوقعة على القطاعات الإنتاجيةبحسب قصار، فإن خفض سعر البنزين بنحو 2500 ليرة سورية قديمة لليتر يعني تراجعاً في إيرادات الدولة، يقدره بنحو 750 ألف دولار يومياً، معتبراً أن الحكومة فضلت تحمل هذه الكلفة مقابل تخفيف الأعباء عن المواطنين والقطاعات الاقتصادية.
ولفت إلى أن المحروقات تشكل نحو 50 في المئة من كلفة قطاع النقل، ونحو 30 في المئة من كلفة القطاع الزراعي، وبين 40 و50 في المئة من كلفة القطاع الصناعي، ما يجعل انخفاض أسعارها مرشحاً للانعكاس تدريجياً على تكاليف الإنتاج والخدمات.
كما اعتبر أن ربط السياسة النقدية لمصرف سوريا المركزي بقرارات تسعير المحروقات يمثل تطوراً مؤسسياً، بالتوازي مع سعي المصرف المركزي إلى تقليص الفجوة بين السعر الرسمي وسعر السوق الموازية، مؤكداً أن استقرار سعر الصرف يبقى أكثر أهمية من مستواه.
ورأى أن الحكومة تعمل حالياً على تثبيت الاستقرار الاقتصادي، وإعادة تأهيل قطاع الطاقة، واستقطاب الاستثمارات، معتبراً أن تحقيق نتائج اقتصادية أوسع يحتاج إلى وقت وتدرج.
في المقابل، وصف الباحث الاقتصادي محمد علبي تشكيل اللجنة الدائمة لتسعير المحروقات بأنه من أبرز الخطوات الإيجابية، لكنه رأى أن القرار ما يزال يفتقر إلى مستوى كافٍ من الشفافية.
وأوضح، خلال مداخلة على شاشة تلفزيون سوريا، أن الحكومة أعلنت وجود ممثلين عن عدة جهات داخل اللجنة، لكنها لم تكشف أسماء معظم أعضائها، كما لم تنشر المنهجية التي اعتمدتها في احتساب الأسعار أو أوزان العوامل المؤثرة فيها، مثل أسعار النفط العالمية، وسعر الصرف، وكلفة الشحن، والضرائب، وهوامش النقل.
وأضاف أن البيان الحكومي تحدث عن معطيات فنية واقتصادية من دون نشر البيانات أو المؤشرات التي استند إليها، كما لم يحدد بشكل واضح آلية مراجعة الأسعار أو توقيتها، سواء كانت أسبوعية أو شهرية أو مرتبطة بنسبة معينة من تغير الأسعار العالمية.
هل يعود الخفض إلى النفط أم إلى الليرة؟ويرى علبي أن نسبة التخفيض الحالية قد تكون مرتبطة بتحسن سعر صرف الليرة السورية أكثر من ارتباطها بانخفاض أسعار النفط العالمية، مشيراً إلى أن الحكومة رفعت أسعار المحروقات في أيار الماضي بنحو 30 في المئة عندما كان سعر الصرف يقارب 14 ألف ليرة سورية قديمة للدولار، في حين تراجع حالياً إلى نحو 13 ألف ليرة، وهو ما قد يفسر جانباً من التخفيض الحالي.
وأضاف أن غياب منهجية واضحة يجعل من الصعب تقييم القرار أو توقع اتجاهات الأسعار مستقبلاً، سواء في حال تغير سعر النفط العالمي أو تقلب سعر الصرف.
الحاجة إلى مؤشرات أداء وإجراءات مرافقةوأكد الباحث الاقتصادي أن نجاح القرار لا يُقاس فقط بتخفيض أسعار المحروقات، وإنما بقدرته على تحقيق نتائج ملموسة في السوق، مثل انخفاض تعرفة النقل أو تراجع تكاليف الإنتاج ومعدلات التضخم.
وأشار إلى أن الحكومة لم تعلن أي مؤشرات أداء يمكن من خلالها قياس أثر القرار، كما لم تربطه بإجراءات تنفيذية مرافقة، مثل تعديل تعرفة النقل أو وضع سقوف زمنية لانعكاس التخفيضات على الأسواق.
كما دعا إلى توسيع المشاركة في صنع القرار الاقتصادي، عبر إشراك النقابات ومؤسسات المجتمع المدني، ونشر محاضر اجتماعات اللجنة والدراسات التي تعتمد عليها، بما يعزز الثقة ويرسخ العمل المؤسسي.
الحكومة: مراجعة مرنة للأسعاروكانت وزارة الطاقة قد أكدت أن قرار خفض أسعار المشتقات النفطية جاء بعد دراسة فنية واقتصادية دقيقة، وأن اللجنة الدائمة لتحديد أسعار المواد البترولية والثروات المعدنية ستواصل اجتماعاتها لمتابعة تطورات الأسواق العالمية والمؤشرات الاقتصادية المحلية.
وأوضح مدير الاتصال الحكومي في الوزارة، أحمد السليمان، أن آلية التسعير الجديدة تقوم على مراجعة دورية ومرنة للأسعار، بحيث تُعدَّل صعوداً أو هبوطاً عند وجود مبررات موضوعية تستند إلى بيانات ومعايير واضحة، بما يحقق استقرار السوق واستدامة توافر المشتقات النفطية.
وبموجب القرار، انخفض سعر ليتر بنزين أوكتان 95 بنسبة 20.
39 في المئة إلى 130 ليرة سورية جديدة، وبنزين أوكتان 90 بنسبة 19.
97 في المئة إلى 125 ليرة، والديزل بنسبة 14.
37 في المئة إلى 107 ليرات، كما انخفض سعر أسطوانة الغاز المنزلي إلى 1500 ليرة، والصناعي إلى 2400 ليرة، بانخفاض بلغ 15.
49 في المئة.
وتزامن القرار مع استمرار تحسن سعر صرف الليرة السورية في السوق الموازية، إذ سجل الدولار نحو 13,500 ليرة سورية قديمة للشراء و13,600 ليرة للمبيع، في حين رفع مصرف سوريا المركزي السعر الرسمي من 116 إلى 119 ليرة سورية جديدة للدولار، مع تقليص هامش الحركة السعرية من 15 إلى 9 في المئة، في خطوة تستهدف تضييق الفجوة بين السعر الرسمي والسوق الموازية، وتعزيز استقرار سوق القطع الأجنبي.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك