صدر حديثا دراسة نوعية للباحثة الدكتورة مشيرة احمد عسكر (دكتوراه الفلسفة الحديثة والمعاصرة، تخصص علم الجمال ـ كلية الآداب والعلوم الإنسانية جامعة قناة السويس).
الدراسة نشرها مؤخرا المركز الأفريقي للأبحاث ودراسة السياسات(أفروبوليسي).
»» “بنية السودان وأزمة الهوية: قراءة في الإرث الاستعماري والصراع الراهن”يهدف البحث إلى تفسير جذور الأزمة السودانية الراهنة من منظور تاريخي وفلسفي وسياسي، من خلال تتبع تأثير الإرث الاستعماري في تشكيل الدولة السودانية الحديثة، وكيف أسهم هذا الإرث في إنتاج أزمة هوية مزمنة وصراعات متكررة انتهت إلى الحرب الدائرة منذ أبريل 2023.
ويطرح البحث فكرة رئيسية مفادها أن ما يشهده السودان اليوم ليس مجرد نزاع على السلطة بين الجيش وقوات الدعم السريع، وإنما هو نتيجة تراكمات تاريخية وبنيوية بدأت منذ الحقبة الاستعمارية وما قبلها، واستمرت في التأثير على بنية الدولة والمجتمع حتى الوقت الراهن.
يبدأ البحث باستعراض تطور المشروع الاستعماري الأوروبي في إفريقيا، موضحًا أن الاستعمار لم يكن مجرد احتلال عسكري أو سيطرة سياسية، بل كان مشروعًا لإعادة تشكيل المجتمعات وفقًا لمصالح القوى الاستعمارية.
فقد عمدت الدول الأوروبية إلى رسم الحدود السياسية دون مراعاة للتركيبة العرقية أو الثقافية أو التاريخية للشعوب الإفريقية، وهو ما أدى إلى قيام دول حديثة تضم جماعات مختلفة لم تجمعها هوية وطنية مشتركة.
كما ارتبط الاستعمار باستنزاف الموارد الطبيعية، وإعادة هيكلة الاقتصاد المحلي لخدمة الأسواق الأوروبية، إلى جانب فرض أنماط ثقافية وإدارية جديدة أضعفت المؤسسات التقليدية وأحدثت انقسامات اجتماعية عميقة.
وفي إطار هذه الرؤية العامة، يناقش البحث خصوصية الحالة السودانية، موضحًا أن السودان ورث بعد الاستقلال دولة ذات مؤسسات هشة وحدود مصطنعة، بينما بقيت التناقضات الإثنية والقبلية والدينية دون معالجة حقيقية.
وقد أدى ذلك إلى استمرار الصراع بين المركز والأطراف، وإلى شعور قطاعات واسعة من السكان بالتهميش السياسي والاقتصادي، خاصة في أقاليم دارفور وجنوب كردفان والنيل الأزرق.
ويرى الباحث أن أزمة الهوية الوطنية في السودان لم تكن نتاج الحرب الحالية، بل سبقتها عقود طويلة من غياب مشروع وطني جامع قادر على استيعاب التنوع الثقافي والإثني داخل الدولة.
ويتناول البحث تطور الأوضاع السياسية في السودان منذ الاستقلال، مبينًا أن التجربة الديمقراطية ظلت قصيرة ومتقطعة بسبب الانقلابات العسكرية المتكررة، الأمر الذي أعاق بناء مؤسسات مدنية مستقرة.
كما ساهمت الأنظمة المتعاقبة في ترسيخ المركزية السياسية وإضعاف التنمية المتوازنة، مما عمّق الفجوة بين العاصمة والأقاليم، وأوجد بيئة خصبة لنشوء الحركات المسلحة وتصاعد النزاعات الداخلية.
ويؤكد البحث أن هذه العوامل الداخلية تداخلت مع تأثيرات خارجية زادت من تعقيد الأزمة.
ثم ينتقل البحث إلى تحليل الحرب التي اندلعت في أبريل 2023 بين القوات المسلحة السودانية بقيادة الفريق أول عبد الفتاح البرهان وقوات الدعم السريع بقيادة محمد حمدان دقلو (حميدتي).
ويوضح أن الصراع سرعان ما تجاوز العاصمة الخرطوم ليمتد إلى مناطق واسعة من البلاد، خاصة إقليم دارفور، مخلفًا أزمة إنسانية غير مسبوقة تمثلت في سقوط آلاف الضحايا ونزوح ملايين المدنيين وانهيار الخدمات الأساسية.
ويرى الباحث أن الحرب كشفت عن هشاشة الدولة السودانية، وأكدت أن الأزمة ليست مجرد خلاف عسكري، بل تعبير عن خلل هيكلي في بناء الدولة الوطنية.
كما يناقش البحث الأبعاد الإقليمية والدولية للصراع، موضحًا أن الموقع الجغرافي للسودان يجعله محورًا لتنافس قوى إقليمية ودولية متعددة، نظرًا لارتباطه بمنطقة القرن الإفريقي والبحر الأحمر والساحل الإفريقي.
ويشير إلى أن تدخلات بعض القوى الخارجية، سواء بصورة مباشرة أو غير مباشرة، أسهمت في إطالة أمد النزاع، حيث ارتبطت مصالح هذه القوى بالموارد الطبيعية والموقع الاستراتيجي للسودان، الأمر الذي جعل الأزمة تتجاوز حدودها الوطنية لتصبح جزءًا من توازنات إقليمية ودولية معقدة.
ويتوقف البحث عند المبادرات الدولية والإقليمية الرامية إلى إنهاء الحرب، مثل جهود الهيئة الحكومية للتنمية (الإيغاد) والمبادرات السعودية الأمريكية وغيرها، ويرى أن معظمها لم يحقق نتائج حاسمة بسبب غياب رؤية شاملة تجمع مختلف الأطراف السودانية، فضلاً عن استمرار التدخلات الخارجية وتعدد مسارات الوساطة.
ويؤكد الباحث أن أي عملية سلام حقيقية يجب أن تشمل جميع القوى السياسية والمجتمعية، والحركات المسلحة، ومنظمات المجتمع المدني، وأن تقوم على وقف دائم لإطلاق النار، وإطلاق عملية انتقال سياسي تؤدي إلى دستور جديد وانتخابات ديمقراطية خلال فترة زمنية محددة، مع تجنب سياسات الإقصاء والانتقام.
وفي خاتمة البحث أُكد أن الأزمة السودانية تمثل نموذجًا واضحًا لاستمرار آثار الاستعمار في الدولة الإفريقية الحديثة، حيث ما زالت البنية السياسية والاقتصادية تعكس أنماط التبعية التي نشأت خلال الحقبة الاستعمارية.
ويرى أن معالجة الأزمة لا يمكن أن تقتصر على تسوية سياسية مؤقتة، وإنما تتطلب إعادة بناء الدولة على أسس جديدة تقوم على المواطنة المتساوية، واحترام التنوع الثقافي، وتحقيق العدالة في توزيع السلطة والثروة، وتقوية المؤسسات الوطنية المستقلة، والحد من التدخلات الخارجية.
كما يشدد على أن استقرار السودان يرتبط باستقرار الإقليم بأكمله، وأن تجاوز الأزمة يتطلب رؤية استراتيجية طويلة المدى تتعامل مع جذور المشكلة التاريخية وليس فقط مع مظاهرها الراهنة.
ويخلص البحث إلى أن فهم الإرث الاستعماري يمثل خطوة أساسية نحو بناء دولة سودانية حديثة قادرة على تحقيق الاستقرار والتنمية وصياغة هوية وطنية جامعة.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك