“ولمَّا فرغت الخمر، قالت أم يسوع له: ليس لهم خمر.
قال لها يسوع: ما لي ولكِ يا امرأة لم تأتِ ساعتي بعد”! !قانا العرس العجائبي.
كؤوس المدعوين نضبت.
الأم الوادعة تدرك بأنَّ عند وحيدها حلّ عقدة المستحيل فتتمنَّى عليه.
الإبن البار يستجيب، وتحويل الماء خمرًا لن يكون أكثر إعجازًا ليلة ولدَ من عذراء لم تعرف رجلاً.
التلاميذ يفعلون ما عليهم، الأجاجين تمتلئ وتفيض بأفخر عصارة بنات الكرمة والكركة.
قانا الإكليل ونثر الزهور والزغاريد، هي ذاتها المتنازَع على أصل موطنها، بين إنجيليين أربعة سبق وحسموا انتماءها إلى أرض الجليل، وبين بحَّاثةٍ يترصَّدون المعلومة من كوكب المريخ، ويستجلبون الوثائق من كوكب زحَل.
وأمَّا قانا العهد الجديد، والعروسة الكنيسة، والمؤمنين الأنقياء القرار، فهي التي مكانها يلازم مكانتها ليفتتحا معًا أيام الصَّوم الكبير وقطع كلِّ زفرٍ، ورفع كلِّ دسَمٍ وبطَر وتخمة!قانا المختلفين على أصل منشئها، والمتجاذبين هويتها، تبقى النموذج الأقرب لكياننا اللبناني المصاب بطغمة المتراشقين بأوراقه الثبوتيَّة، تلك الموثَّقة المطبوعة في خارجه من دون أن يستوعبوا بأنَّ لبنان هو لبنان، كما الحقيقة هي الحقيقة، وكما الشَّمس هي الشَّمس! ونحن في عزِّ أيام الغبطة والاغتباط والفخر والافتخار بالتَّطويب الثاني الذي حظي به بطاركة الأمَّة المارونية.
بعد سلفه طوباوي تاريخ الأزمنة مار إسطفانوس الدويهي الإهدني، ها هو يوم إعلان طوباوية مار الياس بطرس الحويك قد صار على أبواب سيدة الديمان الصَّرح البطريركي الماروني الشمالي، والسؤال كبير ومؤلمٌ ومصيري: من المطوَّب تحديدًا؟ هل هو بطريرك إمارة جبل لبنان تلك التي تحصَّنت من زغرتا حتَّى جزين.
أم بطريرك دولة لبنان الكبير تلك التي استحسنت الامتداد شمالاً وجنوبًا وبقاعًا وساحلًا… وهل مذكور في هذا الملف التطويبي عبارة الجنرال الفرنسي هنري غورو التي أتت بصيغة ضمير يوثِّق ويستلهم وينذر: “كنتم كبارًا في لبنان الصَّغير، وستنتهون صغارًا في لبنان الكبير”؟ !!نهار سبت 25 تموز 2026، ومن على مشارف وادي البطاركة السبعة عشر ساكني ضريح مغارة القديسة مارينا، ذاته الذي التزم بورشة ترميمه البطريرك المكرَّم الياس الحويِّك، والذي لزيادة إكرامه كنسيًا ستبتهج ساحة الصَّرح الديماني بوفود الآتين من بعيدٍ وأبعد، ومن قريبٍ وأقرب كي يعيشوا يوم دوزنة أجراس المدينة المقدسة روما، على أجراس الوادي المقدَّس ابتهالاً واحتفالاً بتطويبٍ أعطي له المجدان: مجد السَّماء ومجد لبنان.
ممثل الأب الأقدس، وباسم الكنيسة المقدَّسة جمعاء يعلن بأنَّ خليفة بطرس على كرسي أنطاكيا، وحبر البطرسيَّة الحويِّكيَّة الحلتاويَّة قد ارتفع كأرز لبنان الطوباويين!ما يحق سماويًا وكنسيًا ولبنانيًا لساحة ديمان 25 تموز 2026، كذلك يحق لساحة عين أبل 25 أيار 1920.
عين قاومت مخارز وخناجر، سواطير وسكاكين، وبنادق غدرٍ وغزوٍ وسطوٍ ونهبٍ واستباحة دماء… وإبلٌ واجهت الضباع الغادرة، والذئاب الكاسرة، والثعالب الرعديدة الماكرة، وسائر بناديق الأداهمة، والحمازنة، والبزَّاويَّة وبقايا الرُّعاع والأجلاف والأوباش.
نيِّف ومئة شهيد، مئات الجرحى، قوافل التَّهجير، أطلال البيوت والأحياء وعين إبل ودبل وأخواتهم في ذلك الزنّار الأرزي المسيحي الجنوبي، كانوا مذبحةً ومحرقةً وملحمةً ما بين أحلام الإمارة العربية الكبرى بقيادة فيصل بن الحسين، وبين دولة لبنان الكبير بإرادة وعزيمة وقناعة بطريرك حلتاوي لبناني ماروني كادت حبال مشانق جمال باشا السفَّاح أن تنال من عنقه مرَّات ومرَّات، لكنَّ توهُّج المصلوبين كان الرَّادع لتواقيع وأختام سلاطين الجاهليَّة العثمانيَّة.
تطويب الحويِّك الكبير في 25 تموز 2026 سيشمل في ضمير الرب الحاضر دائمًا تطويب عين إبل وأخواتها شهداء 5 نوّار 1920، استباقًا دمويًا ليوم إعلان دولة لبنان الكبير أول أيلول 1920! !إن لم نعرف الحق سنبقى أسرى وطن حدوده الأوهام والآمال الخائبة… سنسكن أكاذيبًا توهَّمناها وطنًا ومواطنةً، وظننَّاها دستورًا وقانون، وتخيَّلناها سيادة بأمانة أسيادٍ على إرادتهم وقرارتهم، فلم تتعدَّ قيمة ما تخيَّلناه ثمن حضورنا أفلامًا مستعادة لصور متحرِّكة…إن لم نلوذ بالحق، ستظلُّ طاحونة الأوهام تدور من دون توقُّف، تطحن الشعارات والشعائر والمشاعر… وتبقى الأفلاطونيَّات منشورة طوال الفصول على تعاليك الكلام وتعاليق اليافطات…لتاريخنا كتبه المؤدلجة المبرمجَة.
لتربيتنا الوطنية كتبها المدبلجة المترجمة على عديد لغّات برج بابلنا، والبابليّات لا يتقنها مثلما تتقنها الشعوب اللبنانية شعوب “التعابش الوطني”… شعوب العيش المشترك كالنقل المشترك… شعوب قبة الكنيسة تجاور مئذنة المسجد، والإمام يتأبَّط الكاهن… شعوب 6 و6 مكرَّر وغنِّيلي تغنِّيلك! !مؤتمر فرساي… ومؤتمر وادي الحجيرالعاشر من شهر تشرين الأول 1919 وفي داخل قاعة المرايا تحفة قصر فرساي الفرنسي الأثري، انعقد اجتماع ترسيم الخطوط الأولى لخارطة لبنان الموسَّع شمالاً وجنوبًا، بقاعًا وساحلاً، وعاصمة في فرزٍ وضم طالت مفاعيلهما كامل أراضي ومناطق الوطن المفروزة والمضمومة، لكنَّها فشلت مع قناعات جزءٍ من المواطنين.
منهم في “طرابلس الشام” وضواحيها ومنهم في جبل عامل أدهم خنجر، وصادق حمزة، ومحمود بزّي.
24 نيسان 1920، وفي استباقٍ مجزريٍّ لأول أيلول 1920 انعقد مؤتمر وادي الحجير برئاسة الشيخ عبد الحسين شرف الدين وهو شيعي من السَّادة، فأتت خاتمة ذلك المؤتمر الحجيري قرارًا قاطعًا برفض الهوية اللبنانية بديلةً عن الإمارة العربية الكبرى تحت لواء فيصل بن الحسين، وأثمان القرار الفادحة يدفعها كاملةً غير منقوصة أبناء الجيرة والجوار، هؤلاء المطلوب منهم بأن يديروا خدَّهم الأيسر بعد صفعة الخدٍّ الأيمن…عينبليون.
دبليون.
قليعاويّون.
رميشيَّون، أبوا أن يكونوا كشاةٍ سيقت إلى الذَّبح، فتسلَّحوا بإنجيل آية: “من ليس معه سيف فليبع رداءه ويشتري بثمنه سيفًا”.
يوم تلك الفجيعة كانوا فرسانًا، قلوبهم تلمع فوق رأس رمح مار جرجسهم، واجهوا غزوة الغدر المشين من فجر ذلك الخامس من نوار حتى حلول ليله.
كما أنزلَ سيدهم عن قمة صلبه هكذا أنزِلت أجسادهم على مرأى ومسمع صوته النفَّاذ: “تكونون مبغَضين من الجميع، ولأجل اسمي يقتلونكم!للبنان أقام أمجادًا.
الصَّرح المعطى له مجد لبنان قد زاده مجدًا على مجدٍ.
أنطاكيا وسائر المشرق تمجَّدت بمثاقيل وزنات مار الياسها اللبناني، لكنَّ ابن وربيب والده الخوري بطرس عبود الحويِّك، ووالدته غرَّة طنوس الحويك الحلتاويين، عاش زاهدًا متحاشيًا أيّ مجد دنيوي يقترب منه، منذورًا لسيرة إخوته وأسلافه بطاركة المغاور والكهوف وشقوق الأرض مرصِّعين صروحهم بعصيِّ السنديان ونفوس الألماس.
مجموعة دول القرار التي وجهَّت إليه دعوات زيارتها، جميع رؤساء الدول العظمى الذين ألحَّوا على مواعيد الاجتماع به، كل هذا الوهج والحضور الحويِّكي الطاغي، لم ينل من ضيعويَّته ذرَّة واحدة، فأمضى عمره البطريركي فقيرًا حليف الفقراء، ومنبِّهًا الأغنياء على “جملٍ يدخل من خرم الإبرة”… ضيعته حلتا وهيَّ الركن من أركان مناطق المقاومة اللبنانية وأصلب أعمدتها، وميامينها الحويِّكيين لهم في كل جبهات الدفاع عن الميراث اللبناني بطولاتٌ وحكايات من زمن المقدَّم بنيامين بن حردين والمير فخر الدين!من حلتاه نظر مار الياس الحويك نظرة ابراهيم الخليل للأرض التي أوكله عليها الرب.
من حلتا شاهد القاع وأخواتها بقاعًا لبنانيًا صرفًا… من حلتا شاهد القبيات وعندقت وأخواتهم شمالاً لبنانيًا صافيًا… من حلتا شاهد عين أبل ودبل والقليعة ورميش وأخواتهم جنوبًا لبنانيًا أصيلاً… من حلتا شاهد بيروت مدرسة للحقوق وأمًا للشرائع… من حلتا شاهد يسوع في نواحي صور وصيدا… ومن حلتا لم يشاهد طرابلس شامًا، بل شاهد لبنان فيحاءً!فوق درج قصر الصنوبر تجلَّت مهابة بطريرك الأقضية الأربعة.
قبالته وقف مفتي مدينة بيروت الشيخ مصطفى محيي الدين نجا معيَّنًا بفرمانٍ سلطانيٍّ مختوم بختم السلطان العثماني محمد رشاد رافضًا منصب مفتي دولة لبنان الكبير.
وبعدها حلَّت فلسفة: “الدين لله والوطن للجميع” لكنَّ الأحداث والوقائع أثبتت بأن هذه المقولة المنمَّقة قد أرهقت الله والوطن والدّين بأثقال الديون! !تطويب 25 تموز 2026 سيتمُّ من المطل القنوبيني المشرف على آية: “نحن الذين لجأنا إلى المغاور والكهوف طوال مئات السنين”، ومن مطلِّ التطويبات وفي سماء قاديشا نرفع سؤالنا الأشد إلحاحًا والأقرب واقعيَّة: أي من اللبنانَيْن نختار: لبنان بطريرك أول أيلول 1920 أو لبنان بطريرك نداء 20 أيلول 2000؟
كلمة الروح القدس، روح التعزية تبقى البداية والنهاية والحاسمة في رسم ملامح وخطِّ اسم العتيد أن يأتي مُعطًى مجدًا لبنانيًا بطرسيًا أنطاكيًا ليشرق مجد الرب على مملكة جبل أرز اللبان وأقدس الوديان! !!

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك