طرابلس – «القدس العربي»: عاد ملف شغل المناصب السيادية إلى واجهة المشهد السياسي في ليبيا، في وقت تشهد فيه البلاد تعددًا في المبادرات السياسية الرامية لمعالجة الأزمة المستمرة، وذلك بعد فترة من الجمود نتيجة إخفاق مجلسي النواب والدولة في التوصل إلى توافق حول هذا الملف الحساس.
وفي خضم هذا التعثر، حاول المجلس الرئاسي الدخول على خط الأزمة عبر طرح رؤية لإجراء تغييرات في بعض المناصب السيادية، غير أن هذه الخطوة سرعان ما فجرت خلافًا داخليًا بين أعضائه، وفتحت بابًا واسعًا من الجدل السياسي والقانوني حول مدى مشروعية تلك التحركات.
وأعلن المكتب الإعلامي لرئيس المجلس الرئاسي أن المجلس عقد اجتماعًا تمت خلاله المصادقة على البنود المدرجة في جدول الأعمال بالإجماع، مشيرًا إلى أن الاجتماع عُقد في ظل تغيب عضو المجلس موسى الكوني لتواجده خارج البلاد.
واعتبر البيان أن هذه المصادقة تأتي في إطار ممارسة المجلس لاختصاصاته الدستورية والسيادية، بما يحقق المصلحة العليا للدولة، مؤكدًا أن حساسية المرحلة الراهنة تقتضي انعقاد مؤسسات الدولة بصورة دائمة ومنتظمة من مقارها الرسمية في العاصمة طرابلس، بما يعزز هيبة الدولة ويضمن استمرارية أداء مؤسساتها.
كما شدد البيان على ضرورة اضطلاع رئاسة الدولة، بصفتها القائد الأعلى، بمسؤولياتها الوطنية، واتخاذ ما يلزم من قرارات وإجراءات تتعلق بأعمال السيادة، بما يحفظ أمن البلاد واستقرارها ويصون مؤسساتها وفقًا للقانون.
في المقابل، فجّر عضو المجلس الرئاسي موسى الكوني مفاجأة بنفيه ما ورد في بيان المجلس، مؤكدًا أن ما تم الإعلان عنه يتضمن وقائع غير صحيحة ولا يعكس ما جرى خلال الاجتماع.
وأوضح الكوني أنه لم يتغيب عن الاجتماع كما أُعلن، بل شارك فيه عبر وسائل الاتصال التقنية بناءً على دعوة مسبقة، معتبرًا أن الادعاء بغيابه مجافٍ للحقيقة.
وكشف الكوني أن الاجتماع شهد مناقشات مطولة بشأن تسمية رئيس جهاز المخابرات العامة ورئيس الأركان العامة، إلا أنه لم يتم التوصل إلى أي اتفاق أو توافق حول هذه المناصب، رغم طرح عدة مقترحات ومحاولات تمريرها.
وشدد على أن الحديث عن اعتماد قرارات جماعية بالإجماع لا يمت للواقع بصلة، مؤكدًا أن المجلس الرئاسي يعمل كسلطة جماعية، وأن أي قرارات لا تكتسب الصفة القانونية إلا إذا صدرت وفق الآليات المنظمة وبعد توافق جميع الأعضاء.
وتصاعد الجدل مع تداول أنباء عن قرارات منسوبة إلى المجلس تقضي بتعيين رئيس جديد لجهاز المخابرات العامة، الأمر الذي زاد من حدة الانقسام، خاصة في ظل تمسك كل طرف بتفسيره لاختصاصات المجلس والصلاحيات القانونية المرتبطة بهذا الملف.
وفي سياق متصل، دخل رئيس مجلس النواب عقيلة صالح على خط الأزمة، محذرًا من خطورة إقحام الأجهزة الأمنية والسيادية في التجاذبات السياسية.
وأكد أن حساسية هذه المؤسسات ومكانتها الوطنية تفرض ضرورة تحييدها عن أي صراع سياسي، بما يضمن استمرارها في أداء مهامها بكفاءة ومهنية.
وأشار عقيلة إلى أن إثارة ملف تغيير رؤساء الأجهزة الأمنية في هذا التوقيت الحساس لا يخدم سوى محاولات خلط الأوراق وإرباك المشهد العام، محذرًا من أن ذلك قد يؤدي إلى خلق أزمات جديدة وتعميق حالة الانقسام، وهو ما من شأنه عرقلة الجهود السياسية المبذولة لتحقيق الاستقرار وتوحيد مؤسسات الدولة.
كما دعا جميع الأطراف إلى التحلي بروح المسؤولية الوطنية وتغليب المصلحة العليا للبلاد، والامتناع عن اتخاذ قرارات غير مدروسة تمس المؤسسات السيادية، مؤكدًا أن المرحلة الراهنة تتطلب توافقًا حقيقيًا يهيئ الظروف للوصول إلى انتخابات حرة ونزيهة.
وفي موازاة ذلك، جرى تداول رسالة منسوبة إلى عقيلة صالح موجهة إلى رؤساء أجهزة المخابرات في الدول الصديقة، شدد فيها على أن تعيين أو إعفاء رئيس جهاز المخابرات العامة لا يكون نافذًا إلا بعد اعتماده من مجلس النواب في جلسة رسمية مكتملة النصاب، معتبرًا أن هذا الإجراء يمثل ضمانة أساسية لصدور قرارات سيادية بإرادة وطنية جامعة.
ويعكس هذا التباين في المواقف بين المجلس الرئاسي وأعضائه من جهة، ومجلس النواب من جهة أخرى، عمق الأزمة السياسية والمؤسسية التي تعيشها البلاد، في ظل غياب التوافق على إدارة الملفات السيادية، واستمرار الخلاف حول الصلاحيات القانونية.
كما يسلط الضوء على هشاشة التفاهمات القائمة، ويثير تساؤلات بشأن قدرة المؤسسات الحالية على تجاوز الانقسام والوصول إلى حلول مستدامة تمهد لإنهاء المرحلة الانتقالية.
ومع استمرار هذا الجدل، يبقى ملف المناصب السيادية أحد أبرز نقاط الخلاف التي تعرقل مسار التسوية السياسية في ليبيا، في وقت تتزايد فيه الضغوط الداخلية والدولية للدفع نحو توحيد المؤسسات وتهيئة المناخ لإجراء الانتخابات، باعتبارها المخرج الوحيد من الأزمة الراهنة.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك