قناة الجزيرة مباشر - نقاش الساعة - هل سيقدم ترمب تنازلات إضافية لإنجاح الاتفاق مع إيران؟ قناة التليفزيون العربي - العراق يبدأ حملة لمكافحة الفساد والحكومة تكشف معلومات عن الموقوفين ومناصبهم قناة الجزيرة مباشر - Caracas experiences an aftershock amid ongoing rescue efforts in Venezuela قناة الجزيرة مباشر - Ukraine: 9 killed in Russian shelling targeting Dnipro, Kharkiv, and Zaporizhzhia قناة التليفزيون العربي - إيران تتلاعب بأعصاب ترمب وتكشف موقفها من لقاء الدوحة.. مناورة طهران تربك الحسابات الأميركية قناة الجزيرة مباشر - نقاش الساعة - هل كان في حسبان واشنطن أن يصبح مضيق هرمز محور مذكرة التفاهم؟ بانوراما فوود - طريقة عمل صوص البيستو - خبز الفوكاشيا بالبيستو | سر الصنعة مع الشيف دعاء السمنودي Euronews عــربي - تأكيد فرنسي–عُماني على حرية الملاحة في هرمز.. وإيران تحذّر باريس من "تعقيد الأمور" Euronews عــربي - مستشار سابق لنتنياهو: الاتحاد الأوروبي "سيعود إلى رشده" بشأن إسرائيل Euronews عــربي - البنك الدولي يعزز حضوره في إسبانيا بافتتاح مكتب في مدريد
عامة

الذكاء الاصطناعي في خدمة «رسالة الغفران» لأبي العلاء المعري

القدس العربي
القدس العربي منذ 1 ساعة

لا شك في أن «رواية الغفران» (الجزء الروائي من «رسالة الغفران» لأبي العلاء المعري) من أروع وأعمق ما وصلنا من تراثنا الأدبي العربي، ومن أجمل ما يمكن أن تجود به لغةٌ إنسانية. هي رحلةٌ استكشافية في الآخرة...

لا شك في أن «رواية الغفران» (الجزء الروائي من «رسالة الغفران» لأبي العلاء المعري) من أروع وأعمق ما وصلنا من تراثنا الأدبي العربي، ومن أجمل ما يمكن أن تجود به لغةٌ إنسانية.

هي رحلةٌ استكشافية في الآخرة، تمتزج فيها الفانتازيا بالخيال الخصب؛ بفن النقد الأدبي الرفيع لأجمل شعر لغة الضاد؛ بالأسئلة والأفكار التي توقظ الدماغ، حول مفاهيم غيبية اعتدنا على سماعها بِصيغٍ نهائيةٍ جامدة: الغفران، الشفاعة، التوبة، النعيم، العذاب… وبالتأملات الإنسانية الخصبة في مختلف مجالات الحياة والطبيعة الإنسانية.

لعل أكثر ما يدهشُ فيها هو الاختيار الفني الرفيع لـ تعدد المعاني» polysémie عند التعامل مع المفاهيم الغيبية التي تختلف الآراء حولها، ولا يمكن اتخاذ قرار حول صحتها.

وذلك من المعري نفسه، صاحب المطارق النقدية الجبارة، والرؤى الحرة الصريحة المتقدمة على عصره بقرون، في كل أمورنا الدنيوية: الطبيعة الإنسانية، الأخلاق، الأديان، الرسل، الطوائف، مآل الإنسان…اختار مع المفاهيم الغيبية أسلوب تعدد المعاني بعبقريةٍ تنسجم كثيراً مع ذائقة ومزاج عصرنا اليوم، عصر الحداثة، على نحوٍ يمكن تنوعُ تأويلِه بما ينسجم مع رؤى «ذوي الدين وذوي العقل»، حسب تعبيره، في الوقت نفسه؛ مع أهواءِ الأرواح الحرة، أو المتقين الصارمين معاً؛ ومع أذواق عشاق الكلمات والجمال والمرح والسخرية عموماً… الكل يجد لذتهُ فيها بسعادةٍ خالصة.

مشكلة نص المعري أنه نخبوي جداً، لغتُه فوق إنسانية أحياناً، واستطراداته واستشهاداته الغزيرة المتراكبة معقدةٌ غالباً لا تسمح بالولوج إلى النص من دون عناء، في حين لا يلزم فقط أن يصلَ هذا النص إلى جميع قراء لغة الضاد (في صيغةٍ مقتضبة تبسيطية حديثة، كما تفعل مناهج المدارس الغربية مع النصوص القديمة العظمى مثل «الكوميديا الإلهية» لدانتي)، بل يلزم تفجيرُ فتائل الديناميت الفكرية التي ينطوي عليها النص، لتنطلقَ تساؤلاتُ دماغ القارئ في كل الاتجاهات.

في الطريق إلى هذا الهدف، حاولتُ تقديمَ صيغةٍ مدرسيةٍ تبسيطيةٍ تحديثيةٍ لرواية الغفران، ضمن كتابي: «كوميديا الغفران: من المعري إلى دانتي»، استقيتُها كليةً من النص الأصلي الكبير للمعري، بغية تمكين القارئ بعد قراءتها من مغامرة الدخول في أعماق نصهِ الشاسعِ العظيم.

بدأ كتابي بالدخول ببطء في مقررات دراسة بعض الجامعات، بل كان هناك امتحانٌ حوله في ماجستير أدبي في الجامعة اللبنانية.

سؤالٌ جوهري: كيف يمكن التسريع بوصول أمهات الكتب الأدبية العربية إلى قارئٍ مسحوقٍ، تمتص دماغَه في هذا العصر أهواءُ الشاشات وصخبها، وتتدفق حوله طوفانات الشبكات الاجتماعية؛ عصر تشتيت الانتباه وضعف التركيز، والحاجة إلى السرعة لِلوصول إلى أهداف الحياة؟ ليس ثمة من حل غير الاتكاء على وسائل وتقنيات هذا الزمن نفسِه، ليواكبَ الأدبُ عصرَه ويندمجَ معه، وبوسائلِه التي يستخدمها الناسُ ليل نهار.

في مقدمة هذه الوسائل والتقنيات يأتي «الذكاء الاصطناعي التوليدي»، الذي تحدثت عنه في عدة مقالاتٍ سابقةٍ هنا، وعن فلذة كبدِه: «الإبداع الآلي» القادر اليوم، وغداً أكثر من أي وقتٍ مضى، على العمل المشترك مع الإنسان لرفع قدرات ومهارات وملَكات الإبداع الإنساني ـ الآلي إلى مستويات لم يعرفها الإنسان طوال تاريخه.

لذلك فوائد جمة تحدثت عنها سابقاً، منها إنتاج النصوص التفاعلية، متعددة الوسائط، التي تتكيف مع كل قارئ: طفلٍ، طالبِ ثانويةٍ أو جامعة، جمهورٍ واسع، أو قارئٍ عليم؛ بصيغةٍ تراثيةٍ خالصة، أو حديثة، أو مزيجٍ بينهما.

لماذا «رواية الغفران» أفضل حقلٍ لبداية هذه التجارب، قبل تعميم تجربتها على نصوص تراثية أخرى بالغة الأهمية؟هي أولاً نص بصري بامتياز، من بدايته إلى نهايته (كما لاحظ ذلك مؤخراً الكاتب والفنان التشكيلي عمر عبد العزيز): يتنقل خلاله ابن القارح، ساردُ المعري الرئيس، بين سلسلة من مناظر مثيرة أو عجائبية، تصفها عدسة كلمات المعري بدقةٍ مدهشة.

وهي ثانياً حلقات متواكبة من مشاهد متنوعة جداً ومستقلة (مثل: نزهة في الجنة؛ ضربُ الأعشى بكوزٍ من ذهب؛ موقف الحشر؛ مفاوضة الباري عز وجل على مفاتن حورية؛ اللقاء بالشيطان في جهنم؛ جنة الحيات…)، يمكن معالجتها وصناعتها آلياً مشهداً مشهداً، من دون الحاجة إلى تذكير الذكاء الاصطناعي بهيئات وتفاصيل هذه الشخصية أو تلك، عدا ابن القارح أساساً، والقليل من الشخصيات الأدبية الشهيرة التي تتكرر أحيانا في بعض مشاهد السلسلة.

يكفي تقسيم رواية الغفران إلى مشاهد قصيرة مكونة من 4 طبقات مثلاً: بصرية، صوتية، تفاعلية، وتأملية ـ جمالية، ضمن مشروعٍ يقودهُ فريقٌ واسعٌ متعدد التخصصات والملَكات الأدبية والفنية والعلمية والتقنية.

يُقدم الفريق «برومبتات» دقيقة لسيناريو المشاهد الأولى، كي يتعلم الذكاءُ الاصطناعي منها، على طريق إخراج المشاهد اللاحقة التي يمكنها أن تكون آليةً بحتة، أو مشتركةً بين الذكاء الاصطناعي والفريق:الطبقة البصرية: يُهمها إبراز الفكرة، بالطريقة التي يحبها الفريق الفني: رسومات متحركة، فيلم سينمائي، مزيجٌ منهما…الطبقة الصوتية: قراءةٌ آلية لنص المشهد انطلاقاً من الصيغة المدرسية لرواية الغفران، بالأصوات والمؤثرات الفنية والموسيقية التي يحددها الفريق، وينفذُها الذكاء الاصطناعي آلياً، مع إمكانية مساهمة الفريق الجزئية أو الكلية في التنفيذ.

الطبقة التفاعلية: يستطيع المُشاهد خلال العرض الضغط على كلمة، شخصية، منظر… لطلب التعريف والشرح، أو للانطلاق منها نحو نص المعري الكامل.

الطبقة التأملية ـ الجمالية: بالغة الأهمية في نظري، يلزمها أن تكشف كيف جعل المعري اللغةَ فضاءً للرحلة، كيف مرر أفكارَه وفلسفتَه، نقدَه للمفاهيم الكبرى، بلاغته الثرية وفنه في السخرية والمرح…مثال: تجربة فقرة من رواية الغفران«ويمر سربٌ من إوز الجنة، فلا يلبث ابن القارح أنْ ينزل على تلك الروضة، ويقف وقوف منتظرٍ لأمر، ومن شأن طيرِ الجنة أن يتكلم، فيقول: «ما شأنكن»؟ فيَقُلْنَ: «ألهِمْنا أن نسقط في هذه الروضة فنُغني لمَن فيها، فيقول: «على بركة الله».

فينتفضنَ، فيصرنَ جواري كواعب، يرفلنَ في وشيِ بنات الجنة، وبأيديهن المزاهر وأنواع ما يُوجدُ في الملاهي من آلات طرب، فيعجبُ، وحق له العجب»مدة المشهد المقترحة هنا: دقيقة مثلاً.

الطبقة البصرية: لقطةٌ لِروضةٍ واسعةٍ ساكنة.

ضوءٌ ناعم، أشجار ترقص ببطءٍ جذاب لتهيئةٍ مثيرةٍ لما يلي: يظهر شخصٌ جالس: ابن القارح، من دون إبرازٍ مباشرٍ أو شرح.

على الشاشة جملةٌ صغيرة: «ويمر سربٌ من إوز الجنة».

يبدو من بعيد سربٌ أبيض يتحرك بانسجامٍ ووقارٍ مهيب.

لا يهبط مباشرة.

يدور قليلًا فوق الروضة، ثم ينزل ويتوقف.

صمت.

يليه فجأة صوت الإوز (بهدوءٍ ووضوح، من دون مؤثرات مبالغ فيها): «ما شأنكن؟ ».

صمتٌ قصير.

ثم أصواتٌ جماعية: «أُلهِمنا أن نسقط في هذه الروضة، فنغني لمن فيها».

تليها لحظة التحول métamorphose: قلب المشهدِ وذروته الفنية.

يبدأ الإوز بالتبدل البطيء: يتحول الريش إلى خيوط من ضوء، الأجنحة إلى فساتين، وتنبثق من حركة الماء أجسادٌ بشرية: الحوريات! تظهر الآلات بالتدريج: مزاهر، أوتار، نغمات.

تبدأ الموسيقى التي تذوب فيها أصواتٌ ساحرة لطيور وأوتار وحوريات… ثم صوت «فيعجب، وحقَ له العجب».

تتكفل الطبقة التفاعلية بشرح الكلمات الصعبة: كواعب (جمع كاعب: الفتاة ناهدة الثدي)؛ وشي: (فساتين منقوشة).

أما طبقة التأمل والجماليات فيُهِمها أن تثير أفكاراً وتساؤلات وتأويلات منها:1) في جنة المعري: الطير لا يُذبح ليُؤكَل؛ بل يتحول ليُغني؛ وإذا ما ذُبح لمأدبة، في أماكن أخرى من الرواية، يظل حياً في صيغة بيولوجية موازية! تتفجر حينها لدى القارئ أسئلةٌ بلا عد حول هذه الرموز الفانتازية؛ حول مفهوم القدرة الإلهية؛ حول وحدة شجرة الكائن الحي «بأجناسها وأنواعها» حسب تعبير المعري، التي قادت لِمعادلة: إوزة = حورية؛ هذا إذا لم يكن المعري يسخر هنا، على نحوٍ ما، من مفهوم الحوريات…2) لجوء الرواية الدائم إلى فن الدهشة والتأمل، وتوظيف الجمال كوسيلة للمعرفة.

لا تنفصل الطبيعة غالباً عن الموسيقى التي تملأ رواية الغفران، ومعها الرقص والفن عموماً، لاسيما الشعر: رب الرواية.

سؤالٌ أخير: من كان يحلم بهذه المشاريع الإبداعية الإنسانية – الآلية الواعدة قبل عصر الذكاء الاصطناعي التوليدي؟ !

تطبيق مرصد

تابع آخر تطورات الخبر لحظة بلحظة عبر تطبيق مرصد

تعليقات وتحليلات قراء مرصد
تنبيهات عاجلة بآخر التطورات
مصادر موثوقة وشاملة

احصل على تغطية شاملة للأخبار السياسية والتحليلات العميقة من مصادر متنوعة وموثوقة. تفاعل مع الخبر عبر التعليقات والمشاركة، وكن أول من يعلم بآخر التطورات.

حمّل تطبيق مرصد الآن مجاناً على Google Play

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!

أضف تعليقك