قد يعتقد البعض أن الجريمة الإلكترونية لا تبدأ إلا عند سرقة البيانات، أو اختراق الحسابات، أو حذف الملفات، أو ابتزاز الضحايا.
إلا أن المشرع الأردني تبنى رؤية مختلفة تماماً، تقوم على أن الخطر الحقيقي يبدأ قبل ذلك بكثير، وتحديداً منذ اللحظة التي يتجاوز فيها الشخص حدود التصريح ويدخل إلى نظام معلوماتي لا يملك حق الوصول إليه.
ومن هنا جاءت المادة (3) من قانون الجرائم الإلكترونية رقم (17) لسنة 2023 لتجسد هذا المفهوم، وتجعل من الدخول غير المصرح به جريمة قائمة بذاتها، حتى وإن لم يترتب عليه أي ضرر أو لم يتمكن الفاعل من الوصول إلى البيانات أو استغلالها.
ويأتي هذا المقال ضمن سلسلة" قراءة تحليلية في قانون الجرائم الإلكترونية" وهي سلسلة توعوية تتناول بعض مواد القانون ذات الأهمية مادة بعد أخرى، لبيان فلسفة المشرع، وشرح الأحكام القانونية بلغة مبسطة تربط النصوص بواقع الحياة اليومية، إيماناً بأن الوعي بالقانون هو الخطوة الأولى نحو احترامه، وأن الثقافة القانونية مسؤولية مجتمعية لا تقتصر على المختصين وحدهم.
وتعد جريمة الدخول غير المصرح به من أهم الجرائم الإلكترونية، بل يصفها كثير من فقهاء القانون بأنها" أم الجرائم الإلكترونية" لأن غالبية الجرائم المعلوماتية لا يمكن أن تتحقق إلا بعد المرور بهذه المرحلة.
فسرقة البيانات، أو تعديلها، أو إتلافها، أو تعطيل الأنظمة، أو التجسس الإلكتروني، جميعها تبدأ غالباً بدخول غير مشروع إلى شبكة معلوماتية أو نظام معلومات أو وسيلة تقنية معلومات.
ومن اللافت أن المشرع الأردني لم يقصر الحماية على أجهزة الحاسوب أو المواقع الإلكترونية فقط، وإنما وسع نطاقها ليشمل الشبكة المعلوماتية، ونظام المعلومات، ووسائل تقنية المعلومات، وأي جزء منها.
كما عرف هذه المصطلحات في المادة (2) من القانون تعريفاً واسعاً يواكب التطور التقني، لتشمل التطبيقات، ومنصات التواصل الاجتماعي، والبرامج، والهواتف الذكية، وسائر الوسائل الإلكترونية التي تُنشأ أو تُدار أو تُخزن أو تُرسل أو تُعالج من خلالها البيانات والمعلومات.
وهذا يعكس إدراك تشريعي بأن التطور التقني متسارع، وأن الحماية القانونية يجب أن تكون أوسع من الوسائل الحالية، حتى تبقى قادرة على استيعاب ما يستجد مستقبلاً.
ولعل أكثر ما يميز المادة (3) أنها لم تشترط أن يكون النظام المعلوماتي محاط بكلمات مرور معقدة أو بإجراءات أمنية مشددة حتى يستحق الحماية القانونية.
فالمشرع لم يربط التجريم بقوة النظام الأمني، وإنما ربطه بوجود التصريح.
فالحق في الدخول هو المعيار، وليس سهولة الوصول.
ولو اشترط القانون وجود وسائل حماية تقنية، لأصبحت الأنظمة الأقل حماية عرضة للاعتداء دون مساءلة، وهو ما يتعارض مع الغاية التي استهدفها المشرع في توفير حماية شاملة لجميع الأنظمة المعلوماتية.
كما أن الدخول غير المصرح به لا يقتصر على شخص لا يملك أي صلاحية للدخول، بل قد يتحقق أيضاً بحق من مُنح تصريحاً مشروعاً ثم تجاوز حدوده.
فالموظف الذي يسمح له بالدخول إلى قسم معين من النظام ثم يتعمد الوصول إلى بيانات لا تدخل ضمن صلاحياته، يرتكب صورة أخرى من صور هذه الجريمة.
وكذلك الحال بالنسبة لمن يبقى داخل النظام بعد انتهاء مدة التصريح أو بعد زوال الإذن الممنوح له، إذ إن استمرار وجوده داخل النظام يصبح غير مشروع ويخضع للمساءلة الجزائية.
ومن الجوانب المهمة في هذه المادة أن المشرع لم يشترط تحقق نتيجة معينة لقيام الجريمة، فهي من الجرائم الشكلية التي تكتمل بمجرد وقوع فعل الدخول غير المصرح به.
فلا يشترط أن ينجح الفاعل في سرقة البيانات أو تعديلها أو الاطلاع عليها، لأن الخطر القانوني يبدأ بمجرد انتهاك حدود النظام المعلوماتي والدخول إليه دون حق.
وهذه السياسة التشريعية تعكس توجه وقائي يهدف إلى مواجهة الجريمة في مراحلها الأولى قبل أن تتطور إلى اعتداءات أشد خطورة.
ومع ذلك، لم يقف المشرع عند تجريم الدخول المجرد، بل شدد العقوبة إذا كان الدخول بقصد إلغاء البيانات أو حذفها أو إضافتها أو تدميرها أو إفشائها أو نشرها أو إعادة نشرها أو إتلافها أو حجبها أو تعديلها أو تغييرها أو نقلها أو نسخها أو فقدان سريتها أو تشفيرها أو إيقاف النظام أو تعطيله.
ثم ذهب إلى تشديد العقوبة بصورة أكبر إذا تمكن الجاني فعلاً من تحقيق النتيجة التي سعى إليها، وهو ما يعكس التدرج التشريعي في العقاب بحسب جسامة الفعل وآثاره.
ولم يغفل المشرع كذلك حماية المواقع الإلكترونية، فنص في الفقرة (ج) من المادة (3) على تجريم الدخول إليها بقصد تغييرها أو إلغائها أو إتلافها أو تعديل محتوياتها أو إشغالها أو تشفيرها أو إيقافها أو تعطيلها أو انتحال صفتها أو انتحال شخصية مالكها، وهي أفعال أصبحت تمثل خطر حقيقي على الأفراد والمؤسسات في ظل الاعتماد المتزايد على الخدمات الإلكترونية.
إن الرسالة التي أراد المشرع إيصالها من خلال المادة (3) واضحة؛ فاحترام الحدود الرقمية لا يقل أهمية عن احترام الحدود المادية.
وكما لا يجوز دخول منزل أو مكتب دون إذن، فإنه لا يجوز كذلك دخول نظام معلوماتي أو شبكة إلكترونية دون تصريح، لأن لكل نظام حرمته القانونية، ولكل بيانات صاحب يتمتع بحماية القانون.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك