لا حديث اليوم في لبنان والمنطقة سوى عن الاتفاق الثنائي، برعاية أميركية، مع إسرائيل، حول ما سُمّي بـ" وقف إطلاق النار" و" وقف الحرب".
ويُعد هذا الاتفاق، الذي أُبرم بين الحكومة اللبنانية ونظيرتها الإسرائيلية، سابقة في تاريخ البلدين (إذا اعتبرنا إسرائيل بلداً)، ويمنح إسرائيل مبرراً سياسياً وقانونياً لبقاء جيشها في لبنان لمدة غير محددة.
الاتفاق، متعدد التسميات، يشكل حماية لفريق السلطة اللبنانية من السقوط، في وقت يواجه اعتراضات واسعة من حزب الله وحركة أمل وقوى سياسية أخرى.
وبذلك، تدخل السلطة اللبنانية في صراع سياسي ذي جذور أيديولوجية وتاريخية، قد يتحول تدريجياً إلى صراع اجتماعي وشعبي.
وليست هذه المرة الأولى التي تدخل فيها السلطة اللبنانية، وليس" الدولة" كما يروج المصطلح إعلامياً، في مواجهة مع القوى السياسية التي تمثل حركات المقاومة ضد إسرائيل.
على مدى عقود، حاول فريق سياسي لبناني النأي بنفسه، وبالبلاد، عن الصراع العربي - الإسرائيلي.
وهذا الفريق لا يُناصب إسرائيل العداء باعتبارها دولة احتلال قامت على اغتصاب الأرض وقتل شعب آخر، بل ينظر إليها من منظور طائفي وكولونيالي، يشعر فيه بتفوق وتميز على الطوائف الأخرى، ولا سيما المسلمة، ويرى في الإسرائيلي القادم من أوروبا نموذجاً للحضارة والتقدم الغربي، على غرار الأوروبي الذي جاء للاحتلال في بدايات القرن العشرين.
وهذا الشعور له جذور تاريخية عميقة، عزّزها الاستعمار الفرنسي عبر الإرساليات الكنسية والمستشرقين، الذين أسسوا البنية الاجتماعية والثقافية لتقبّل الاستعمار.
تمتلئ صفحات التاريخ السياسي اللبناني بالحروب بين القوى والطوائف، وكان ذروتها الحرب الأهلية التي اندلعت عام 1975، وكان من أبرز أسبابها الوجود الفلسطيني الذي اتخذ من جنوب لبنان قاعدة لمقاومة إسرائيل، بعد خروج حركة فتح من الأردن وعدم السماح لها بالوجود في سورية.
وأدى ذلك إلى صدام مع التيار اليميني اللبناني، المتمثل بالمسيحيين، وليس جميعهم، وكاد هذا الصدام يؤدي إلى الانهيار السياسي لليمين الانعزالي، لولا التدخل المباشر لكل من إسرائيل ونظام الأسد السوري لمصلحته، بعد معارك" حرب السنتين" (1975 و1976).
وأفضى هذا الدعم إلى سقوط القوات الفلسطينية، ومعها القوات العربية المشتركة، ثم احتلال بيروت عام 1982، وإبرام اتفاق 17مايو/ أيار 1983، الذي طبعت بموجبه السلطة اللبنانية، بقيادة الرئيس الراحل بشير الجميل، العلاقات مع إسرائيل.
الاتفاق، متعدد التسميات، يشكل حماية لفريق السلطة اللبنانية من السقوط، في وقت يواجه اعتراضات واسعة من حزب الله وحركة أمل وقوى سياسية أخرىالظروف بين الماضي والحاضر مختلفةلا يشبه اتفاق 17 مايو 1983 اتفاق 26 يونيو/حزيران 2026.
فالأول جاء نتيجة إخراج الوجود الفلسطيني من لبنان، لكنه لم يصمد طويلاً أمام التدخل السوري لإفشاله، وربما السوفييتي أيضاً، وانتهى باغتيال الرئيس بشير الجميل، فيما كانت حركة أمل وحزب الله في بدايات تأسيس مشروع المقاومة.
أما الاتفاق الحالي، فيأتي في ظرف بالغ الصعوبة بالنسبة إلى الفريق المناهض له، إذ يبدو هامش التحرك لإسقاطه سياسياً أو شعبياً ضيقاً، وقد يقود إلى صدام جديد أو حتى إلى حرب أهلية.
كما لا تبدو في الأفق إرادة دولية أو إقليمية لإفشال الاتفاق، باستثناء إيران، التي تحسب خطواتها بحذر في ظل المسار المعقد لمفاوضاتها مع الولايات المتحدة.
ثمة إصرار من السلطة اللبنانية الحالية على رفع الغطاء السياسي عن المقاومة المسلحة، مع تكريس فصل الجغرافيا اللبنانية عن بعضهاكذلك، ثمة إصرار من السلطة اللبنانية الحالية على رفع الغطاء السياسي عن المقاومة المسلحة، مع تكريس فصل الجغرافيا اللبنانية عن بعضها.
فالقول إن الحرب تدور على جنوب لبنان، وليس على لبنان كدولة، يحمل دلالات تقسيمية، كما أن الحكومة لم تعلن رسمياً أن البلاد في حالة حرب، ولم تعتبر المناطق المتضررة مناطق منكوبة تستوجب التعامل معها على هذا الأساس، بل ركزت جهودها على ملاحقة حزب الله، وإصدار قرارات مشددة لمنع أي تحرك مسلح ضد إسرائيل.
إسرائيل تحتاج إلى الصورة.
بأي ثمنفي الجانب الإسرائيلي، ثمة حاجة ملحة إلى صناعة صورة للإنجاز والانتصار، كما درجت الحكومة والإعلام الإسرائيليان على تقديمها، ولا سيما بعدما جاء مسار المفاوضات بين الولايات المتحدة وإيران معاكساً للرغبة الإسرائيلية.
ومن هذا المنطلق، تتمثل صورة" الإنجاز" في نجاح إسرائيل بفصل لبنان عن مسار مفاوضات إسلام أباد، وتثبيت حليف سياسي جديد لها في لبنان، بعدما ظل هذا البلد، لعقود طويلة، عصياً على التحالف معها.
ومن شأن ذلك أن يمنحها قدرة على فرض سيطرة طويلة الأمد، من دون أن تواجه محاسبة على الجرائم التي ارتُكبت خلال عامين من الحرب الشاملة أو بعدها، بل قد يساهم في إسقاط مسارات المساءلة والتقاضي.
إسرائيل تراهن اليوم على حليف ضعيف يجري تصنيعه سياسياً، لا يملك عناصر القوة، ولا أدوات المواجهة، ولا القدرة على إنتاج مشروعه الخاصوتكمن المعضلة، بحسب هذا الطرح، في أن إسرائيل تستجدي حلفاء جدداً يمثلون الحلقة الأضعف في هذا الصراع.
فإذا كانت، بكل ما تمتلكه من قوة، لم تتمكن من القضاء على مقاومة حزب الله، رغم التحالف الأميركي والدعم الغربي والإقليمي الواسع، فإنها تراهن اليوم على حليف ضعيف يجري تصنيعه سياسياً، لا يملك عناصر القوة، ولا أدوات المواجهة، ولا القدرة على إنتاج مشروعه الخاص، في مقابل خصم راكم، حتى خلال الحرب، أدوات قوة متعددة، واختبرها، ونجح في فرض نفسه في الميدان.
ولا شك أن المنطقة تتجه نحو مواجهة جديدة، وأن احتمال فشل مسارات التفاوض مجتمعة يبقى الأكثر ترجيحاً.
أما استمرار إسرائيل في الاعتماد على حلفاء أضعف منها ومن خصومها، فقد يشكل، على المدى المتوسط والبعيد، مؤشراً إلى بداية تآكل عناصر قوتها، بما يصب في مصلحة إيران وأي قوة معادية لها.
كما لا تبدو الدول الأوروبية، وبدرجة أقل الولايات المتحدة، مستعدة لتقديم الدعم السخي نفسه لتل أبيب في أي حرب مقبلة.
وفي هذا المسار، تبدو عناصر القوة الإسرائيلية في حالة استنزاف تدريجي، وهو ما قد يخدم الطرف الآخر مستقبلاً.
وحتى ذلك الحين، ستظل المنطقة، بشعوبها ودولها، تدفع أثمان الصمود من دمائها وحاضرها ومستقبل أبنائها، في ظل صمت داخلي وإقليمي ودولي مطبق ومثير للقلق.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك