تثبت الأمم في اللحظات التاريخية الهامة أن قوة الدول تقاس بما تمتلكه من موارد وبما يتحلى به شعبها من وعي، وما تملكه مؤسساتها من قدرة على حماية الدولة وصون هويتها وتحقيق تطلعات مواطنيها، وفي التاريخ المصري الحديث، تمثل ثورة الثلاثين من يونيو علامة فارقة أعادت رسم مسار الدولة الوطنية، ورسخت مفهوم الإرادة الشعبية بوصفها المصدر الأصيل لشرعية الدولة واستمرارها، فقد جاءت هذه اللحظة التاريخية تعبيرًا عن تمسك المصريين بهويتهم الوطنية، ورفضهم لكل ما رأوا فيه تهديدًا لوحدة الدولة ومؤسساتها، لتبدأ بعدها مرحلة جديدة عنوانها استعادة الاستقرار، وإعادة بناء مؤسسات الدولة، والانطلاق نحو مشروع تنموي شامل يستند إلى رؤية استراتيجية للمستقبل.
كانت مصر عبر تاريخها الممتد لآلاف السنين، نموذجًا للدولة التي تمتلك قدرة استثنائية على تجاوز الأزمات واستعادة توازنها مهما بلغت التحديات، فعندما تواجه منعطفًا مصيريًا، تتجلى خصوصية الشخصية المصرية التي تدرك أن الحفاظ على الدولة هو الضمان الحقيقي لاستمرار المجتمع وحماية مقدراته، وفي ضوءء ذلك، جاءت أحداث الثلاثين من يونيو كلحظة وطنية ترجمت تلاقي إرادة الشعب مع مؤسسات الدولة للحفاظ على الكيان الوطني ومنع انزلاق البلاد إلى مسارات الفوضى والانقسام التي شهدتها دول أخرى في المنطقة.
ووتعد 30 يونيو بداية لمرحلة إعادة تأسيس الدولة على أسس أكثر رسوخًا، من خلال تعزيز مؤسساتها، وترسيخ سيادة القانون، واستعادة الأمن والاستقرار باعتبارهما المدخل الطبيعي لأي عملية تنموية، فقد أثبتت التجارب الدولية أن التنمية لا تزدهر في بيئات مضطربة، وأن الاستثمار والإنتاج والإبداع تحتاج إلى دولة قوية قادرة على فرض القانون وتوفير بيئة مستقرة تتيح للمواطن أن يعمل ويطمئن على مستقبله، ومنذ ذلك الوقت شرعت الدولة المصرية في تنفيذ مشروع وطني واسع لإعادة بناء البنية الأساسية التي ظلت لعقود بحاجة إلى تطوير شامل، فشهدت البلاد طفرة غير مسبوقة في إنشاء الطرق والمحاور والكباري، وتطوير شبكات النقل والموانئ، وتحديث منظومة الكهرباء والطاقة، والتوسع في مشروعات المياه والصرف الصحي، وإنشاء المدن الجديدة بمختلف المحافظات وتوفر بيئة عمرانية أكثر كفاءة واستدامة، وجاءت هذه المشروعات كإنجازات هندسية، واستثمارات في المستقبل، تهدف إلى بناء اقتصاد أكثر قدرة على المنافسة وتحقيق التنمية المتوازنة بين مختلف الأقاليم.
وأولت الدولة اهتمامًا خاصًا ببناء الإنسان المصري، انطلاقًا من قناعة بأن التنمية الحقيقية تبدأ من الاستثمار في المواطن، ولذلك شهدت قطاعات التعليم والصحة والحماية الاجتماعية خطوات متسارعة نحو الإصلاح والتطوير، مع إطلاق مبادرات وطنية استهدفت تحسين جودة الحياة، وتوفير خدمات صحية أكثر كفاءة، والارتقاء بمستوى التعليم، ودعم الفئات الأولى بالرعاية، كما برزت مبادرة حياة كريمة أحد أكبر المشروعات التنموية والاجتماعية في تاريخ مصر الحديث، حيث هدفت إلى تطوير الريف المصري وتحسين مستوى الخدمات والبنية التحتية لملايين المواطنين، بما يعكس فلسفة تنموية تضع الإنسان في قلب عملية البناء.
ويعد من أبرز الدروس الاستراتيجية التي رسختها تجربة 30 يونيو أن الوعي المجتمعي يمثل خط الدفاع الأول عن الدولة الوطنية، وأن حماية الأوطان لم تعد تقتصر على تأمين الحدود وصون القدرات العسكرية، إنما امتدت إلى حماية العقول وتحصين الوعي الجمعي من محاولات التضليل والتزييف، ففي ظل الثورة الرقمية وتسارع تدفق المعلومات، برزت أنماط جديدة من الصراعات تعتمد على نشر الشائعات، وصناعة الأخبار المضللة، والتلاعب بالرأي العام، واستهداف الثقة بين المواطن ومؤسسات دولته، بهدف إرباك المجتمعات وإضعاف تماسكها من الداخل دون إطلاق رصاصة واحدة، ومن ثم تزايد الاهتمام بناء مواطن واعٍ يمتلك القدرة على التحقق من المعلومات، والتمييز بين الحقائق والدعاية، وبين النقد الوطني المسؤول الذي يسهم في الإصلاح، وحملات التشويه المنظمة التي تستهدف إثارة الانقسام وتقويض الاستقرار.
إن ترسيخ ثقافة الوعي أصبح ضرورةً وطنيةً تفرضها متطلبات الأمن القومي في عالم تتسارع فيه التحديات وتتعقد أدوات التأثيرن وهي مسؤولية تتكامل فيها أدوار الأسرة، والمؤسسات التعليمية، والجامعات، ووسائل الإعلام، والمؤسسات الدينية والثقافية، إلى جانب مختلف مؤسسات الدولة، من أجل بناء مواطن يمتلك وعيًا نقديًا، وإدراكًا عميقًا بقضايا وطنه، وقدرة على التمييز بين الحقيقة والتضليل، فكلما ترسخت قيم الانتماء، وتعززت روح المسؤولية والمواطنة، ازدادت قدرة المجتمع على مواجهة الأزمات، وصون مكتسبات الدولة، والإسهام بفاعلية في مسيرة البناء والتنمية، معرفة و إدراك للأحداث وقوة وطنية ناعمة تحصن المجتمع، وتحمي الحاضر من مخاطر الفوضى والاستقطاب، وتستشرف المستقبل بثقة، وتدعم قدرة الدولة على مواصلة نهضتها وتحقيق أهدافها التنموية في بيئة يسودها الاستقرار والتماسك الوطني.
أكدت تجربة الثلاثين من يونيو أن قوة الدولة الوطنية تبنى على قوة مؤسساتها وكفاءتها وتماسكها، وأن استقرار الأوطان هو ثمرة تكامل الأدوار بين مختلف مؤسسات الدولة، وفي مقدمتها القوات المسلحة، التي تضطلع بمهمة حماية الأمن القومي وصون حدود الوطن، والشرطة التي ترسخ الأمن وسيادة القانون، والقضاء الذي يمثل حصن العدالة وضمانة الحقوق والحريات، إلى جانب سائر مؤسسات الدولة المدنية التي تعمل بتناغم لتحقيق التنمية الشاملة وتلبية تطلعات المواطنين، وقد أثبتت السنوات الماضية أن الدولة القوية هي التي تمتلك مؤسسات راسخة قادرة على التكيف مع المتغيرات، وإدارة الأزمات بكفاءة، والحفاظ على استمرارية العمل الوطني في مختلف الظروف، وفي المقابل، يظل المواطن شريكًا أصيلًا في هذه المنظومة، فلا يكتمل البناء إلا بإخلاصه في العمل، وإنتاجه، واحترامه للقانون، ووعيه بحقوقه وواجباته، ومشاركته الإيجابية في دعم جهود التنمية وصيانة مقدرات الوطن.
وتبدو مصر اليوم وبعد سنوات من الثلاثين من يونيو، أكثر قدرة على التعامل مع التحديات الإقليمية والدولية، وأكثر وضوحًا في صياغة رؤيتها الاستراتيجية للمستقبل، مستندة إلى إرادة وطنية راسخة تؤمن بأن بناء الدول عملية تراكمية لا تتوقف، وأن الحفاظ على ما تحقق من إنجازات لا يقل أهمية عن السعي إلى تحقيق مكتسبات جديدة، وقد انعكس ذلك في استمرار تنفيذ المشروعات القومية، وتعزيز مسارات الإصلاح الاقتصادي، والتوسع في برامج التنمية المستدامة، والاستثمار في الإنسان باعتباره محور التنمية وغايتها، فالمستقبل يبنى بالتخطيط العلمي، والعمل الجاد، والابتكار، والاستثمار في المعرفة، وحسن استغلال الموارد، وتعزيز قدرة المجتمع على التكيف مع المتغيرات، وبهذه الرؤية، تواصل مصر شق طريقها بثقة نحو مستقبل أكثر استقرارًا وازدهارًا، مستندة إلى تاريخها العريق، وإرادة شعبها، وصلابة مؤسساتها، وطموحها المشروع في أن تحتل المكانة التي تليق بها بين الأمم.
وتظل مصر دولةً وشعبًا على العهد؛ تكتب فصول نهضتها بإرادتها الحرة، وتصون حاضرها بوعي أبنائها، وتشق طريقها بثقة نحو مستقبل آمن ومستدام، يليق بتاريخها العريق وحضارتها الممتدة ومكانتها الراسخة بين الأمم، فبناء الأوطان مسؤولية متجددة لا تعرف التوقف، تُصنع بالإخلاص والعمل، وتحميها وحدة الصف، ويقودها الوعي، وتدعمها مؤسسات وطنية قوية، وإرادة سياسية وشعبية تؤمن بأن التنمية حق للأجيال الحاضرة وأمانة للأجيال القادمة، وستظل مصر، بما تمتلكه من تاريخ عريق، وشعب أصيل، ومؤسسات راسخة، قادرة على مواصلة مسيرة البناء والتحديث، محافظةً على هويتها، ومتمسكةً بثوابتها، وماضيةً بثقة نحو غد أكثر ازدهارًا واستقرارًا، لتبقى دائمًا نموذجًا للدولة الوطنية القادرة على صناعة مستقبلها بإرادتها الحرة وعزيمة أبنائها.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك