بين اليد الممدودة والعين الساهرةفي قاموس العلاقات الدولية يُعد “حسن الجوار” أحد أسمى المبادئ التي تقوم عليها المجتمعات المتحضرة، لكن في واقع السياسة، كثيرا ما يُساء فهم هذا المبدأ، فيحاول البعض تسويقه كغطاء للتدخل، أو ذريعة للمساس بسيادة الدول.
هنا تبرز الحاجة إلى تمييز دقيق وجوهري: حسن الجوار قيمة إنسانية وسياسية نبيلة، لكنه ليس ترخيصا للتنازل عن السيادة، ولا مبررا للمساس بها تحت أي ظرف.
مملكة البحرين، بتجربتها الفريدة، تقدم نموذجا واضحا في هذا الشأن، فهي دولة انفتحت على جيرانها، ومدت يدها للسلام والتعاون، لكنها في الوقت نفسه ظلت حارسة سيادتها، عصية على أي محاولة للنيل منها.
هذا التوازن الدقيق هو ما يميز النهج البحريني، وهو ما يستحق الوقوف عنده بتأمل.
المحور الأول: حسن الجوار.
قيمة أخلاقية قبل أن تكون سياسةحسن الجوار في المنظور البحريني ليس مجرد خيار دبلوماسي، بل قيمة أخلاقية وإنسانية راسخة.
البحرين، بقيادة جلالة الملك المعظم، كانت وستظل دولة سلام، لم تبادر إلى استعداء أحد، واختارت دائما طريق التعاون وحسن الجوار.
هذا النهج امتد ليشمل العلاقات مع جميع الدول، حيث تواصل البحرين جهودها الحثيثة على المستويين الإقليمي والدولي لتعزيز الأمن والاستقرار، وترسيخ مبادئ حسن الجوار، واحترام سيادة الدول، وعدم التدخل في شؤونها الداخلية.
إنه نهج يقوم على قناعة راسخة بأن الاستقرار الإقليمي مسؤولية مشتركة، وأن أمن الخليج والمنطقة العربية كلٌ لا يتجزأ.
لكن حسن الجوار عند البحرين لا يعني أبدا التنازل عن الهوية أو التفريط في السيادة؛ إنه انفتاح واعٍ، يدرك أن القوة الحقيقية تأتي من بناء الجسور، لا من هدمها، لكنه يدرك أيضا أن الجسور لا تُبنى على حساب الأسوار.
المحور الثاني: السيادة خط أحمر لا يُمسحإذا كان حسن الجوار هو اليد الممدودة، فإن السيادة هي العين الساهرة التي لا تغفل.
البحرين، منذ تأسيسها الحديث، كانت ولا تزال دولة عربية مستقلة ذات سيادة كاملة.
هذه السيادة ليست مجرد مفهوم قانوني، بل هي جوهر وجودي وواقعي، وقيمة لا تقبل المساومة.
وفي هذا الإطار، كان الموقف البحريني من أي محاولة للمساس بسيادته واضحا وحاسما، فعندما صدرت ادعاءات باطلة ومزاعم مرفوضة تمس سيادة البحرين وهويتها الوطنية والعربية، كان الرد البحريني حازما: البحرين سيادةٌ لا تُساوَم، وهويةٌ لا تُزوَّر، فمملكة البحرين لم تكن يوما موضعا للمساومة أو التشكيك، بل وطن عربي خليجي عريق، مستقل القرار، راسخ السيادة.
الخطاب السامي لجلالة الملك المعظم جسد بوضوح الرؤية الوطنية الثابتة في حماية سيادة الوطن وصون أمنه واستقراره، إلى جانب الحزم في التصدي لأي تهديد يستهدف المملكة أو يمس وحدتها الوطنية ومصالحها العليا.
إنه خطاب يضع النقاط على الحروف بكل وضوح ومسؤولية تاريخية.
المحور الثالث: حين يتحول حسن الجوار إلى ذريعة للتدخلالمشكلة الحقيقية تظهر حين يساء استخدام مبدأ حسن الجوار، فيتحول إلى أداة للتدخل في الشؤون الداخلية للدول.
هنا يأتي الموقف البحريني ليؤكد أن حسن الجوار لا يعني القبول بالتدخل، وأن العلاقات الطيبة بين الجيران لا تبرر أي مساس بالسيادة، فقد أكدت البحرين رفضها القاطع للتصريحات التي تمثل تدخلا سافرا في شؤونها الداخلية، مشددة على أن مثل هذه التصريحات لا تخدم أمن المنطقة ولا علاقات حسن الجوار، بل تكشف عن ذهنية مأزومة تحاول تصدير الأوهام بدلا من احترام سيادة الدول وإرادة الشعوب، وهو ما يتناقض مع كل المواثيق الدولية ومبادئ ميثاق “الأمم المتحدة”.
إن تكرار الهجمات العدوانية على البحرين والدول الخليجية يعد تصعيدا خطيرا، وانتهاكا سافرا لسيادة الدول، ومخالفة صريحة لقواعد القانون الدولي ومبادئ حسن الجوار.
إن حسن الجوار لا يعني السكوت عن التدخل، ولا يعني التغاضي عن انتهاك السيادة.
إنه قيمة تقوم على الاحترام المتبادل، فإذا انعدم الاحترام، انعدمت قيمته.
المحور الرابع: الالتفاف الشعبي.
الحصن الذي يردع المعتدينما يعزز الموقف البحريني في الحفاظ على السيادة على رغم التمسك بحسن الجوار، هو الالتفاف الشعبي الذي يجعل البحرين منيعة، فشعب البحرين، بمختلف مكوناته، لا يقبل وصاية من أحد، ولا يسمح لأي جهة خارجية بالتدخل في شؤونه أو التشكيك في هويته.
لقد أثبت البحرينيون، مرارا وتكرارا، أن ولاءهم للبحرين وقيادتها ثابت في ضميرهم، وأن عروبة البحرين حقيقة تاريخية وسياسية لا تنال منها مقالات دعائية أو مزاعم.
هذا الوعي الوطني هو ما يجعل البحرين عربية الهوية، خليجية الانتماء، مستقلة السيادة والقرار، قوية بقيادتها، منيعة بوحدة شعبها، وعصية على كل محاولات التشكيك أو الاستهداف.
أولًا: حسن الجوار ليس تنازلا عن الهوية: البحرين تمد يدها للجيران، لكنها لا تفرط في هويتها العربية الإسلامية.
هذا التمايز الواضح هو ما يحمي السيادة من أي سوء فهم.
ثانيًا: السيادة ليست رهنا بالعلاقات الطيبة: العلاقات الطيبة مع الجيران قيمة مضافة، لكنها لا تعني أبدا التفريط في السيادة.
البحرين تثبت أن اليد الممدودة يمكن أن تكون قبضة حازمة عند الحاجة.
ثالثًا: الرد على التدخل يكون بالحزم لا بالتنازل: عندما تتعرض السيادة للخطر، يكون الرد بحزم ووضوح، لا بمزيد من التنازلات.
هذا ما فعلته البحرين في مواجهة أي تدخل في شؤونها.
رابعًا: الشعب هو الدرع الحقيقية للسيادة: السيادة ليست شأنا يخص القيادة وحدها، بل مسؤولية الشعب كله.
والتفاف الشعب البحريني حول قيادته هو الضمانة الأقوى لحماية السيادة.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك