في وقت تواجه فيه فرنسا واحدة من أشد موجات الحر في تاريخها الحديث، عاد الجدل حول ضعف انتشار أجهزة التكييف في المنازل والمباني العامة، رغم الارتفاع المتزايد في درجات الحرارة وما يرافقه من مخاطر صحية متزايدة.
وتثير هذه الظاهرة تساؤلات واسعة حول الأسباب التي تجعل فرنسا، بخلاف العديد من الدول الأخرى، أقل اعتمادًا على المكيفات، في وقت تتزايد فيه آثار التغير المناخي وتصبح موجات الحر أكثر تكرارًا وشدة.
لماذا تفتقر فرنسا إلى المكيفات؟يرجع ذلك إلى عدة عوامل تاريخية وثقافية وبيئية.
ففرنسا كانت تُعرف تقليديًا بمناخها المعتدل، وكانت موجات الحر الشديدة نادرة نسبيًا، ما جعل الحاجة إلى أجهزة التكييف محدودة لعقود طويلة.
لكن مع تسارع التغير المناخي وارتفاع درجات الحرارة خلال السنوات الأخيرة، بدأت الحاجة إلى التبريد تزداد، في حين لا تزال البنية السكنية والتشريعية متأخرة عن مواكبة هذا التحول.
ويعتقد كثير من الفرنسيين أن أجهزة التكييف تضر بالبيئة بسبب استهلاكها المرتفع للطاقة، فضلاً عن مساهمتها في زيادة درجات الحرارة الخارجية من خلال انبعاث الهواء الساخن.
ورغم أن فرنسا تعتمد بدرجة كبيرة على الطاقة النووية في إنتاج الكهرباء، وهي أقل إصدارًا للانبعاثات الكربونية مقارنة بمصادر أخرى، فإن المخاوف البيئية لا تزال حاضرة بقوة في النقاش العام حول التوسع في استخدام المكيفات.
وتشكل طبيعة المباني الفرنسية القديمة، خصوصًا في العاصمة باريس، عائقًا إضافيًا أمام تركيب أجهزة التكييف.
فالقوانين الخاصة بحماية المباني التراثية تفرض قيودًا صارمة على أي تعديلات قد تؤثر في الواجهات الخارجية.
كما أن تركيب المكيفات يتطلب في كثير من الأحيان موافقات من سكان المبنى والسلطات المحلية بسبب الضوضاء التي قد تصدر عنها.
المكيفات تدخل دائرة الصراع السياسيلم يعد النقاش حول التكييف مقتصرًا على الجوانب التقنية والبيئية، بل تحول إلى قضية سياسية متزايدة الحضور.
فبينما يدعو اليمين إلى توسيع استخدام المكيفات في مختلف الأماكن العامة والخاصة، ترى أحزاب اليسار والوسط أن هناك بدائل أكثر استدامة وصداقة للبيئة، مثل تحسين عزل المباني وزيادة المساحات الخضراء وتطوير أساليب التبريد الطبيعية.
ويؤكد مؤيدو هذا التوجه أن أجهزة التكييف يجب أن تعطى الأولوية في المستشفيات ودور رعاية المسنين والمدارس، بدلاً من تعميمها على نطاق واسع.
ومع تزايد موجات الحر، يطرح مراقبون تساؤلات حول ما إذا كانت قضية التكييف ستتحول إلى أحد ملفات الانتخابات الرئاسية الفرنسية المقبلة.
موجة الحر ترفع عدد الوفياتوفي أحدث حصيلة، أعلنت الوكالة الفرنسية للصحة العامة تسجيل نحو ألف وفاة إضافية فوق المعدل الطبيعي منذ الأربعاء الماضي، نتيجة استمرار تأثير موجة الحر على أنحاء البلاد.
وأكدت وزيرة الصحة الفرنسية ستيفاني ريست أن تداعيات موجة الحر لم تنتهِ بعد، مشيرة إلى أن فرنسا تمر بفترة أكثر سخونة من تلك التي شهدتها عام 2003، عندما سجلت البلاد درجات حرارة قياسية.
وأضافت أن الضغوط التي تتعرض لها المنظومة الصحية بسبب ارتفاع درجات الحرارة ستستمر خلال الأيام المقبلة.
ولا يزال الإنذار الأحمر ساريًا في إقليمين فرنسيين، بينما يستمر الإنذار البرتقالي في 48 إقليمًا، في وقت بدأت فيه بعض المناطق تشهد رياحًا قوية عقب تراجع درجات الحرارة المرتفعة التي ضربت البلاد مطلع الأسبوع.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك