إنّه الحدث الأكثر سطوعًا في الجزائر، هذه الأيام.
انطلق من مواقع التواصل وصار حديث النّاس كلّهم داخل البلاد وخارجها.
في فيديو لا يتعدّى الدقيقتين تظهر أشياء طالما غضّ الإعلام المحليّ النّظر إليها.
إن الموضوع يتعلّق بشاب في منتصف الثّلاثينيات من العمر، يدعى ناصر بن كلفة، يقيم في ضاحية وهران، خرج في الصباح من بيته، من غير أن يعلم أي وجهة يسلكها، لأنه مثل شباب آخرين لا عمل له، وعندما رأى شقّة في الطّابق العاشر تشتعل بالنيران ويخرج منها دخان أسود وخانق، وفي شرفتها طفلان يرجوان النّجاة، قرّر أن يجعل من مهمة إنقاذهما وجهته في ذلك اليوم.
رأى النّاس في الأسفل يرددون أدعية لنجاة الطفلين (لا يتجاوزان العاشرة من العمر)، لكن لا أحد من الجيران استطاع أن يجازف في تسلّق العمارة، وليس من السهل أن يقبل أحدهم على هكذا مجازفة.
في الأثناء انطلقت موبايلات في تصوير الواقعة، وتسلّق ناصر العمارة، في مشهد يوحي أننا في بروفة أفلام «سبايدر مان»، لكن هذه المرة كان المشهد حقيقيًا، وعرّض الشاب نفسه إلى الخطر، لأن أي خطأ في التسلق كان من شأنه أن يودي بحياته.
وصل إلى الطفلين في الأعلى، غطاهما ببطانية مبلّلة للتخفيف من الحرارة التي أحاطت بهما، هدأ من روعهما، أنجاهما من محنتهما قبل أن يصل أعوان الحماية المدنية ويخرج الجميع في أمان من هذه المحنة.
إن هذا المشهد الذي وقع في الضاحية الشرقية من وهران، والذي وثّقته كاميرات الموبايلات، وتحوّل إلى الحدث الوطني الأبرز، بفضل انتشاره على مواقع التواصل، يجعل النّاس أمام حقيقة غالبا ما تتغاضى عنها الفضائيات المحلية.
هذه الفضائيات التي دأبت، منذ سنين، على تصوير الأحياء الشعبية في البلاد على أنها بؤرة انحرافات وأن الشباب العاطل عن العمل إنما شباب مؤهل للانحراف أو ركوب قارب هجرة غير شرعية إلى أوروبا، لكن عند مشاهدة ناصر بن كلفة وهو ينقذ طفلين عالقين في الطابق العاشر تظهر هشاشة هذا الإعلام، الذي يروّج للإثارة أكثر مما يقتفي أثر الحقيقة.
جرت العادة في السنين الأخيرة أن مسلسلات رمضان التي تبثها هذه الفضائيات لا تكاد تحمل عدا صورة واحدة عن الأحياء الشعبية في البلاد، وكذلك عن الشباب العاطل عن العمل، في تصوير صلتهم بالمخدرات أو الفساد الأخلاقي.
إنّها صورة قاصرة وفي الغالب تتأتى من إعلام لا يعرف الأحياء الشعبية ولم يخالطها.
إن فيديو قصير على مواقع التواصل الاجتماعي وضع الفضائيات في حرج، هذه الفضائيات التي تسرف في برامج اجتماعية، عن العنف وتمّيع الأخلاق، وفي كل مرّة توجه أنظارها نحو أحياء شعبية عندما يتعلّق الأمر بقضايا العنف وسوء الأخلاق.
وعلى الرّغم مما ينسب إلى منصات رقمية من تزييف ومن تحريف للحقائق، يبدو أنها أكثر صدقًا من الفضائيات المحلية، التي نسيت تاريخها في التحامل على الأحياء الشعبية وعلى الشباب العاطل عن العمل، وركبت الموجة في الإشادة ببطولة ناصر بن كلفة.
ولأن هذه الأيام تتزامن مع حملة انتخابية، من أجل الوصول إلى البرلمان، فقد استغلت بعض الأحزاب السياسية الواقعة وسارعت في تكريم «سبايدر مان» الجزائري الذي أنقذ طفلين.
هذه الأحزاب نفسها التي تنظر بعين الرّيبة إلى الشباب العاطل عن العمل في الأحياء الشعبية، وتظنّ فيه شريحة غير واعية سياسيًا، وأنها تعزف عن الانتخابات، صارت هذه الأحزاب نفسها تتفاخر بهؤلاء الشباب وتتودّد إليهم، جعلت من ناصر بن كلفة واجهة لها من أجل استثمار شهرته على مواقع التواصل وكسب مؤيدين للأحزاب في الانتخابات.
من المرجح أن نؤول هذه التصرفات من باب الحيلة السياسية، لأن كلّ شيء مباح من أجل كسب ناخبين، لكن الغائب الأكبر إزاء هذا المشهد إنما الفضائيات المحلية، التي تجد نفسها غير قادرة على تحديد موقعها.
هل تواصل التحامل على شباب في أحياء هامشية، وتقلّل من شأنهم، أم تغيّر نظرتها نحوهم؟في حال غيّرت نظرتها نحوهم فسوف تلغي العديد من برامجها.
ومن محاسن الأمور أن هناك كاميرات موبايلات وثّقت الحادثة، وأن هناك مواقع تواصل اجتماعي سمحت بانتشار المشهد، لكن كم يوجد بطل آخر من أمثال ناصر بن كلفة؟ كم يوجد أمثاله في أحياء فقيرة أخرى لكن لا كاميرا وثقت أفعالهم ولا أحد انتبه إليهم؟صارت الشهرة ترتبط بمدى الانتشار على السوشيال ميديا، وليس بمدى حضور على فضائيات.
إن الفضائيات في الجزائر التي تبحث عن الإثارة وتصرّ على برامج لا تخلو من تجييش العاطفة، دأبت على تصوير قصص من قبيل فلان يطلّق فلانة، ثم يتخلّى عن أبنائه منها، أو فلان يهجر عائلته من أجل قارب موت يوصله إلى إسبانيا، أو فلان يدمن مخدرات ثم يتوب عن أفعاله، وفي الغالب هؤلاء المشار إليهم (فلان) إنما هم شباب من أحياء غير مرئية، يعيشون في حالة مزرية.
وكأن هذه الأمور لا تحصل في الأحياء الغنية التي يقيم فيها علية القوم.
لقد دأبت هذه الفضائيات في الترويج لحكايات يسطو فيها الإحباط على الأمل، في تشويه صورة شريحة واسعة من الشباب، تربط بينهم وبين الانحراف، تتنمر عليهم أو تربط بينهم وبين حكايات زائفة، فهل ستغير من تحاملها عليهم؟ أم تواصل ترويج سلعتها وننتظر موسم رمضان آخر نشهد فيه مسلسلات، حيث الجريمة والمخدرات ترتبطان بالضرورة بأحياء شعبية وفقيرة؟

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك