تشهد أروقة الدبلوماسية الاقتصادية حراكاً مكثفاً لإحياء ملف اتفاقية التجارة الحرة بين دول مجلس التعاون الخليجي والاتحاد الأوروبي بعد ركود وتجميد للمفاوضات الجماعية دام لأكثر من عقدَين من الزمن، وسط تطلعات قوية لحسم معالم الاتفاقية خلال قمة القادة المقررة في العاصمة السعودية الرياض في شهر أكتوبر/ تشرين الأول المقبل.
وتكشف تفاصيل هذا الحراك عن تحول جوهري في الرؤية التفاوضية، إذ يتجه الطرفان نحو التخلي عن فكرة المعاهدة الشاملة والواحدة لصالح صياغة حزم قطاعية متخصّصة تركز على مجالات حيوية مثل الطاقة المتجدّدة، والتجارة الرقمية، وسلاسل الإمداد الصناعية، ويسعى المفاوضون لتجاوز المعوقات التاريخية المتمثلة في إصرار بروكسل طويلاً على إقحام بعض الملفات غير المتفق عليها في صلب الاتفاقية، وهو ما عارضته دول الخليج كونه تسبب سابقاً في تعثر المباحثات وإلحاق خسائر اقتصادية متبادلة، في حين تبدي الأطراف حالياً رغبة عملية في التركيز على المصالح المشتركة وتسريع خطى التكامل الاقتصادي، حسب ما أوردت دراسة نشرها معهد الاقتصاد الألماني (German Economic Institute - IW)، في 7 مايو/ آيار الماضي.
وتكتسب دلالة توقيت استئناف المفاوضات أهمية استراتيجية مضاعفة بالنظر إلى تزايد الحمائية الاقتصادية وحالة عدم اليقين الجيو-سياسي العالمي، ولا سيّما مع التخوف الأوروبي من السياسات التجارية الحمائية المتوقعة للرئيس الأميركي دونالد ترامب، وإسهام التوترات الأمنية الأخيرة في الشرق الأوسط واستهداف خطوط الملاحة في البحر الأحمر وباب المندب ومضيق هرمز في إبراز الترابط الوثيق بين أمن الطاقة والصناعة الأوروبية واستقرار منطقة الخليج، حسب الدراسة ذاتها.
ويعد النجاح الخاطف الذي حققه مجلس التعاون الخليجي في التوقيع على اتفاقية التجارة الحرة مع المملكة المتحدة في العشرين من مايو الماضي المحفز المباشر وراء حالة الاستنفار الاقتصادي في عواصم الاتحاد الأوروبي، إذ تمثل الاتفاقية البريطانية الخليجية أول شراكة من نوعها للتكتل الخليجي مع إحدى دول مجموعة السبع الكبرى، ما قدم دليلاً على قدرة دول مجلس التعاون على صياغة اتفاقيات دولية كبرى ككتلة موحدة ومتماسكة، حسب تقدير نشرته منصة إي واي تاكس نيوز (EY Tax News)، المتخصّصة في الاستشارات الضريبية والسياسات التجارية والمالية العالمية، في 5 يونيو/ حزيران الجاري.
وبموجب الاتفاق البريطاني، سيجري إلغاء رسوم جمركية سنوية بقيمة 580 مليون جنيه إسترليني على صادرات لندن إلى الخليج، مع إلغاء 360 مليوناً منها فوراً، بالإضافة إلى الالتزام بتخليص البضائع جمركياً خلال 48 ساعة فقط، وهو ما دفع مسؤولي الاقتصاد بالاتحاد الأوروبي للمطالبة بضرورة التحرك سريعاً لإنقاذ القدرة التنافسية للشركات الأوروبية في أسواق الخليج، بحسب التقدير ذاته.
في هذا الإطار، يشير رئيس الجمعية الدولية لأبحاث السياسات الاقتصادية، رجب يورولماز، لـ" العربي الجديد"، إلى أنّ قرار إحياء مفاوضات التجارة الحرة بين دول الخليج والاتحاد الأوروبي يمثل إشارة مهمة وإيجابية، غير أنه ينبغي قراءتها بنظرة واقعية، إذ إنّ المحادثات الأصلية انطلقت في عام 1990 ثم علقت في عام 2008 بعد عقدين من الزمن دون تحقيق نتائج ملموسة، واستمرت العلاقة منذ ذلك الحين عبر الحوار والتعاون فقط وليس من خلال اتفاق فعلي، ما يمنح التحرك الجديد دلالة ومعنى خاصاً.
ولا يتوقع يورولماز التوصل إلى اتفاق إقليمي كبير وشامل فورياً، بل يرجح اتباع نهج تدريجي خطوة بخطوة، إذ اقترحت المفوضية الأوروبية في عام 2025 توجيهات تفاوضية جديدة لتحديث التفويض القديم الصادر عام 1989، وفي الوقت نفسه بدأ الاتحاد الأوروبي محادثات ثنائية مع دولة الإمارات في 28 مايو 2025، وهو المسار الثنائي الذي يُوصف رسمياً بأنه" لبنة بناء" محتملة لاتفاق تجارة حرة إقليمي مستقبلي مع مجلس التعاون الخليجي، ما يعني توقع إبرام صفقات ثنائية أولاً ثم ربما اتفاق إقليمي لاحقاً.
ويكتسب التوقيت الحالي للعودة المفاوضات الخليجية الأوروبية أهمية بالغة، حسب يورولماز، لثلاثة أسباب رئيسية، أولها أن النظام التجاري العالمي أصبح أكثر حمائية ويتسم بعدم اليقين، خاصة بسبب الإجراءات الجمركية التي تتخذها الولايات المتحدة، ما يدفع كلا من دول الخليج والاتحاد الأوروبي إلى تنويع شركائها وتقليل الاعتماد على سوق واحدة.
ويتمثل ثاني الأسباب، حسب يورولماز، في أنّ دول الخليج تطبق رؤى التنويع الاقتصادي وتحتاج إلى التكنولوجيا والاستثمارات والخبرات الأوروبية، أما السبب الثالث فيتمثل في حاجة الاتحاد الأوروبي إلى وصول آمن للطاقة والمواد الخام الحرجة وتركيزه حالياً على الهيدروجين الأخضر والطاقة المتجدّدة، وهي القطاعات نفسها المذكورة في محادثات الإمارات.
ويبرز الوزن الاقتصادي الحقيقي لهذه الشراكة بوضوح، إذ بلغت قيمة التجارة السلعية بين الاتحاد الأوروبي ودول الخليج 165.
7 مليار يورو في عام 2025، ما يجعل الاتحاد الشريك التجاري الثاني الأكبر لدول الخليج بعد الصين الشريك الأول، كما تشير السرعة في تحركات المنطقة إلى إتمام مجلس التعاون لاتفاق التجارة الحرة مع المملكة المتحدة في مايو الماضي، ما يعكس، حسب يورولماز، زخماً تجارياً متسارعاً يسعى لتعزيز الروابط الاقتصادية الاستراتيجية.
ويمكن للمواطنين والمستثمرين في دول الخليج الاستفادة من هذا الاتفاق بطرق متعددة، حسب ما يرى يورولماز، فالمواطنون سيستفيدون بالأساس من انخفاض الأسعار وتنوع الخيارات، إذ تواجه السلع الأوروبية والآلات والسيارات والمنتجات الصيدلانية والغذائية رسوماً جمركية حالياً، ومن شأن الاتفاق تخفيض هذه الرسوم بما يقلل تكلفة المعيشة وتكلفة المدخلات المستوردة، بينما تتوسع الفرص أمام المستثمرين من خلال توفير حماية قانونية أكبر وقواعد أكثر قابلية للتنبؤ وسهولة الوصول إلى سوق يضم حوالى 449 مليون مستهلك.
وتتيح هذه الاتفاقيات لصناديق الثروة السيادية والشركات الخاصة في الخليج الاستثمار في أوروبا بثقة أكبر، وتوسيع المشاريع المشتركة في مجالات الطاقة النظيفة والهيدروجين والخدمات الرقمية، كما تصبح الصناعات المحلية التي تستخدم مكونات أوروبية أكثر قدرة على المنافسة، غير أن يورولماز ينصح بالحذر نظراً؛ لأنّ الاختلافات السياسية والتنظيمية داخل الاتحاد الأوروبي قد تبطئ العملية، ويخلص إلى أنّ" المسار إيجابي لكنه يتطلب صبراً طويلاً لتحقيق النتائج المرجوة".

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك