يتجدد الجدل بشأن مستقبل مضيق هرمز في ظل تباين المواقف بين إيران وسلطنة عمان حول إدارة الممر المائي الأهم عالميًا، وسط تأكيد مسقط ضرورة الإبقاء على المضيق آمنًا ومفتوحًا أمام الملاحة الدولية، وتمسك طهران بحق الدول الساحلية في تنظيمه.
وفي المقابل، يبقى القانون الدولي المرجعية الأساسية التي توازن بين سيادة الدول الساحلية وحرية العبور في المضائق الدولية.
ويبدو أن مضيق هرمز، الذي تتقاسمه جغرافيًا طهران ومسقط، يحمل لدى كل طرف تصورًا مختلفًا بشأن إدارته ومستقبله.
وفي مقابلة لوزير الخارجية العماني بدر بن حمد البوسعيدي مع إذاعة مونت كارلو الدولية، دعا إلى تنفيذ التفاهمات بين الولايات المتحدة وإيران، مؤكدًا أن المضيق يجب أن يبقى آمنًا ومفتوحًا أمام الملاحة الدولية.
وأكد البوسعيدي التزام سلطنة عمان باتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار، نافيًا وجود أي توجه لفرض رسوم على عبور السفن في مضيق هرمز، ومميزًا بين رسوم العبور المحظورة ورسوم الخدمات البحرية والبيئية، التي يمكن الاتفاق عليها مع الدول والشركات المستفيدة.
وبخصوص إزالة الألغام وتأمين خطوط الملاحة، حمّل البوسعيدي إيران المسؤولية الأساسية، مشددًا على توافق دول الخليج على أولوية خفض التصعيد وتحقيق التهدئة.
في المقابل، أعاد نائب وزير الخارجية الإيراني، كاظم غريب آبادي، أحد أبرز المفاوضين الإيرانيين، التذكير بموقف بلاده، مؤكدًا أن مضيق هرمز" لن يعود إلى سابق وضعه"، وأن إدارة المضيق تقع على عاتق الدول الساحلية.
وقال آبادي أيضًا" إذا لم تكن عمان، لأي سبب كان، راغبة في إقامة نظام مشترك لمستقبل مضيق هرمز، فإن إيران ستمضي قدمًا في هذا الأمر بمفردها".
وهذا الجدل المستمر بشأن مضيق هرمز لا يتعلق بالخريطة وحدها، فالمضيق مزدحم ومحكوم بحسابات فنية وقانونية دقيقة، لكنه في الوقت نفسه يخضع لقواعد القانون الدولي، التي لا تمنح الدول المطلة عليه حق التصرف فيه كما لو كان بحيرة داخلية.
وفي عام 1982، أقرت الأمم المتحدة اتفاقية قانون البحار، قبل أن تدخل حيز التنفيذ لاحقًا، واضعة إطارًا واسعًا لتنظيم الملاحة في البحار والمضائق.
ويقوم جوهر هذه القواعد على معادلة دقيقة، تتمثل في سيادة الدول الساحلية داخل مياهها الإقليمية، لكن من دون خنق الملاحة الدولية.
ومع كل أزمة بحرية، يعود مصطلحان إلى الواجهة، هما" المرور العابر" و" المرور البريء".
ويطبق" المرور العابر" في المضائق المستخدمة للملاحة الدولية، عندما يصل المضيق بين جزء من أعالي البحار أو منطقة اقتصادية خالصة وجزء آخر مماثل.
وفي هذه الحالة، يحق للسفن والطائرات العبور المتواصل والسريع، من دون تعطيل أو توقف، إلا لضرورة ملاحية أو حالة طارئة.
أما" المرور البريء"، فيطبق داخل البحر الإقليمي للدول، ويمنح السفن الأجنبية حق المرور السريع والمتواصل، بشرط ألا يتحول هذا المرور إلى تهديد لأمن الدولة الساحلية أو سلمها، فلا يشمل التهديد بالقوة، أو التدريبات العسكرية، أو جمع المعلومات، أو التلوث المتعمد، أو أي نشاط يتجاوز مقتضيات العبور.
وعند الحديث عن المضائق، تبرز أسماء تتحكم في جزء كبير من حركة التجارة والطاقة حول العالم، مثل هرمز، وباب المندب، وتيران، وملقة، والبوسفور، والدردنيل، وماجلان، وجبل طارق.
غير أن الخطأ يكمن في التعامل مع هذه المضائق كما لو كانت نسخة قانونية واحدة، فبعضها يخضع مباشرة للقواعد العامة للمضائق الدولية، وبعضها تحكمه معاهدات خاصة، فيما يقع بعضها الآخر في منطقة رمادية بين القانون والسياسة والجغرافيا وحسابات القوة.
فعلى سبيل المثال، يتمتع مضيق ماجلان، الرابط بين المحيطين الأطلسي والهادئ، بوضع قانوني قديم كرسته معاهدة بين الأرجنتين وتشيلي في القرن التاسع عشر، وضمنت حرية الملاحة فيه.
أما في تركيا، فلا يكفي الاستناد إلى قانون البحار وحده، إذ تنظم اتفاقية مونترو لعام 1936 المرور عبر مضيقي البوسفور والدردنيل.
وقد منحت الاتفاقية السفن التجارية حرية المرور في زمن السلم، لكنها فرضت قيودًا دقيقة على عبور السفن الحربية، ولا سيما في أوقات الحرب أو التهديد.
وفي مضيق ملقة، تتعاون إندونيسيا وماليزيا وسنغافورة ضمن ترتيبات مشتركة لسلامة الملاحة، تشمل مسارات الفصل المروري وقواعد فنية للحد من مخاطر التصادم والتلوث، من دون أن تلغي القواعد العامة لعبور المضائق الدولية.
أما مضيق جبل طارق، فرغم تاريخه السياسي المعقد، فإنه يبقى، من الناحية القانونية والعملية، ممرًا دوليًا حيويًا يربط البحر المتوسط بالمحيط الأطلسي، وليس مجرد نقطة سيادة ساحلية مغلقة.
وبالانتقال إلى باب المندب، فإنه يمثل نموذجًا واضحًا لمضيق يصل البحر الأحمر بخليج عدن والمحيط الهندي، ولا توجد اتفاقية خاصة شاملة تنظم المرور فيه على غرار اتفاقية مونترو، ولذلك يخضع أساسًا للقواعد العامة للمضائق الدولية.
ويبقى مضيق هرمز الحالة الأكثر حساسية، إذ يقع بين إيران وسلطنة عمان، وتغطي المياه الإقليمية للدولتين تقريبًا كامل عرضه، غير أن هذه الحقيقة لا تحوله إلى مياه داخلية خالصة، فالسيادة قائمة، لكنها مقيدة بحقوق المرور في مضيق يستخدمه العالم بأسره.
وهنا يبدأ الجدل القانوني والسياسي معًا، فإيران وقعت اتفاقية قانون البحار، لكنها لم تصدق عليها في البرلمان، في حين أن سلطنة عمان وقعت الاتفاقية وصادقت عليها والتزمت بأحكامها.
وبين هذين الموقفين، تتمسك قوى بحرية كبرى بأن قواعد المرور في المضائق الدولية، ولا سيما عدم تعطيل العبور، لم تعد مجرد نصوص واردة في اتفاقية، بل أصبحت جزءًا من العرف الدولي الذي يحكم تعامل الدول.
ومن اللافت أن الولايات المتحدة لم توقع اتفاقية قانون البحار ولم تصادق عليها، لكنها تؤكد باستمرار تمسكها بمبادئ حرية الملاحة.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك