تتجه الأنظار إلى العاصمة القطرية الدوحة كمنصة جديدة لإدارة الأزمة الراهنة بين الولايات المتحدة وإيران، وسط ترتيبات لعقد مباحثات رفيعة المستوى تأتي أعقاب ضربات عسكرية متبادلة اختبرت اتفاق وقف إطلاق النار الهش الموقع بين الطرفين هذا الشهر.
وفي وقت تسعى فيه واشنطن لترسيخ سياسة «الردع المتدرج» ودفع المسار نحو تفاهمات سياسية وأمنية أوسع، تبرز حرب روايات محتدمة تصر فيها طهران على نفي التفاوض المباشر حرجًا من الانقسامات الداخلية.
أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترمب، يوم أمس الإثنين، أن الجانبين الأميركي والإيراني سيلتقيان في اليوم الثلاثاء في دولة قطر بناء على طلب إيراني، وذلك بعد أيام من الضربات المتبادلة بين الولايات المتحدة وإيران، والتي اختبرت اتفاق وقف إطلاق النار الهش الموقع بينهما هذا الشهر، وأثارت تساؤلات حول حالة المحادثات الرامية للتوصل إلى سلام أوسع.
وقال ترمب إن مبعوثيه، ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر، قد غادرا بالفعل أو على وشك المغادرة، مضيفًا: «سنرى كيف ستسير الأمور، وقد يكون الاجتماع في الدوحة مهماً، وقد لا يكون، وسنرى».
في المقابل، نفت إيران تخطيط مفاوضيها للقاء الفريق الأميركي في العاصمة القطرية، حيث صرح المتحدث باسم وزارة الخارجية الإيرانية، إسماعيل بقائي: «لن نعقد أي اجتماعات تفاوضية على أي مستوى مع الجانب الأميركي في الأيام المقبلة، ورحلة الممثلين الأميركيين إلى قطر لا علاقة لها برحلة الوفد الإيراني».
وأوضح بقائي أن المحادثات الفنية المباشرة مع الولايات المتحدة لم تبدأ بعد، على الرغم من أن إيران تسعى إلى توضيح بعض البنود الواردة في مذكرة التفاهم الموقعة بين البلدين في وقت سابق من هذا الشهر، مشيرًا إلى أن فريقًا فنيًا إيرانيًا سيلتقي بمسؤولين قطريين لبحث إمكانية رفع التجميد عن أصول إيرانية مجمدة تبلغ قيمتها 6 مليارات دولار أميركي مودعة في أحد بنوك الدوحة.
ومنذ توقيع ترمب على الاتفاقية في 18 يونيو/حزيران، أكد الرئيس الأميركي ونائبه جيه دي فانس، أن الأموال لن يتم الإفراج عنها إلا تحت سيطرة الولايات المتحدة، وستُستخدم لشراء السلع الزراعية الأميركية لصالح المزارعين الأميركيين، وهو الأمر الذي نفته طهران، إذ صرح الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان، بأن مبلغ الـ 6 مليارات دولار هو جزء من إجمالي 12 مليار دولار من الأموال الإيرانية المحتجزة لدى قطر، وأن الإفراج عنها، إلى جانب رفع العقوبات النفطية الأسبوع الماضي، كان جزءًا من مذكرة التفاهم.
وبشأن مسار التفاوض، قال أندرياس كريج، محلل شؤون الشرق الأوسط والمحاضر في كينجز كوليدج لندن: «لقد اختُزل هذا الصراع برمته إلى حرب تُشن على حرب الروايات الموجهة، ولا يعني هذا أن عملية التفاوض قد توقفت تمامًا»، مضيفًا أن هناك حاجة لسد الثغرات في مذكرة التفاهم، وأن المحادثات لم تركز حتى الآن على البرنامج النووي نظرًا لأن الإيرانيين يؤجلون طرح القضية.
من جهته، يرى الدكتور نبيل العتوم، خبير الشؤون الإيرانية أن التباين الصارخ بين التصريحات الأميركية والإيرانية يعكس استمرار الحرب الإعلامية الموجهة للجمهور الداخلي لدى الطرفين، إذ يحمل إعلان ترمب بأن إيران هي من طلبت الاجتماع رسالة سياسية لإظهار نجاح الضغوط العسكرية والاقتصادية، بينما تتجنب طهران تأكيد هذه الصيغة منعًا لتبدو بمظهر المستسلم.
وأوضح العتوم لقناة الغد أنه في حال صح انعقاد اجتماع قطر، فإن الأزمة تكون قد انتقلت من مرحلة التصعيد العسكري إلى مرحلة إدارة الصراع عبر التفاوض تحت الضغط وليس السلام النهائي، مؤكدًا أن الدوحة أصبحت مركزًا لإدارة الأزمة والمنصة السياسية والعسكرية والفنية للمفاوضات، كما أن تسريب أسماء رفيعة مثل ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر يشير إلى جدية محاولات التوصل لتفاهم أوسع.
وأكد خبير الشؤون الإيرانية أنه رغم الأجواء الإيجابية، لا تزال الخلافات الجوهرية قائمة وفي المربع الأول حول ملفات التخصيب، والرقابة، والعقوبات، ومضيق هرمز الذي تحاول طهران فرض أمر واقع بحري فيه وتكريس هيمنة الحرس الثوري على أمن الملاحة.
وأشار العتوم إلى أن طهران توظف ورقة المضيق لرفع كلفة أي عمل عسكري، وزيادة الضغوط الاقتصادية على الأسواق العالمية لدفع الدول لمطالبة واشنطن بتقديم تنازلات، إلى جانب اكتساب شرعية قانونية تحت مبررات السلامة وإزالة الألغام، وبالتالي رفع قيمة التنازلات التي يمكن أن تطلبها إيران مقابل تخفيف القيود.
فيما يتعلق بالموقف الدولي، أوضح العتوم أن طهران تلعب بذكاء على ورقة الانقسامات الدولية ومارست سياسة البلطجة والقرصنة في المضيق مستغلة غياب موقف حاسم من دول الناتو، واصفًا التحركات والمواقف الحالية لفرنسا وبريطانيا وألمانيا، بالمتأخرة، والتي لم ترق لمستوى الأزمة.
وأشار إلى أن حديثهم عن إرسال كاسحات الغام والتوافق على وثيقة أمن الملاحة يأتي بوصفها ترتيبات لما بعد الحرب والاتفاق النهائي، مع محاولتهم تصفية حساباتهم مع إدارة ترمب بملفات أخرى كالملف الأوكراني، مؤكدًا أن هذه الدول هي الخاسر الأكبر وتطالب واشنطن حاليًا بفتح المضيق والتوافق مع طهران مهما كلف الأمر.
لفت العتوم إلى أن إيران تعتبر نفسها قد حققت مكاسب اقتصادية كافية عبر استمرار تصدير نفطها والافراج عن بعض الأرصدة، مستفيدة من تصريحات وزير الخارجية الأميركي مارك روبيو حول امتلاك إيران ورقة اقتصادية ونوية، ولذلك تسعى طهران لجعل القضية متمثلة فقط في الوصول لـ «صفقة ملاحة» كإنجاز كبير، والتهرب من الملفات المعقدة كالملف النووي والصواريخ البالستية والوكلاء.
وكشف أن إيران تتراجع عمدًا عن استحقاقات التفتيش الدولي المتفق عليها بموجب مذكرة التفاهم وتلجأ للبلطجة في هرمز لنقل الانتباه، رغبة منها في كسب الوقت لترتيب أوضاعها النووية داخليًا، وإخفاء حجم تضرر منشآتها، والتغطية على نشاطات سرية محتملة لزيادة كميات التخصيب وتركيب أجهزة الطرد، والتمسك بسياسة الغموض النووي كورقة ردع مستقبلية.
الرد العسكري والردع الأميركيأشار الدكتور نبيل العتوم إلى أن الضربة العسكرية الأميركية الأخيرة حملت دلالات سياسية واضحة تعكس رغبة واشنطن في إدارة التصعيد وليس الانزلاق لحرب شاملة، حيث استهدفت بشكل دقيق مخازن صواريخ ومستودعات مسيرات ورادارات ساحلية في جزيرة سيريك ومناطق أخرى، مع تجنب القيادة السياسية والمنشآت النووية.
وأوضح أن هذه الضربات تعزز سياسة «الردع المتدرج» التي تتبعها واشنطن، للتأكيد على أنها سترد عسكريًا وبشكل متناسب على أي هجوم يستهدف القوات الأميركية أو السفن التجارية، وهي رسالة كان يجب على الجانب الإيراني فهمها بدلاً من الاستمرار في المماطلة والابتزاز للحصول على مكاسب دون تقديم تنازلات حقيقية.
في سياق متصل، ترى الكاتبة والباحثة السياسية هديل عويس، أن نفي طهران لجلوسها مع الولايات المتحدة على طاولة واحدة يعكس حرجًا بالغًا يعيشه النظام الإيراني، الذي يرى في الاعتراف بتفاوضه مع «الشيطان الأكبر» سببًا لانقسامات داخلية حادة، لا سيما مع اعتماد واشنطن مبدأ «خطوة مقابل خطوة» ورفضها تقديم تنازلات مجانية.
وأكدت عويس لقناة الغد أن تزامن زيارة المسؤولين الأميركيين البارزين، كجاريد كوشنر وستيف ويتكوف، للدوحة مع وجود الوفد الإيراني ليس مصادفة، مشددة على أن المفاوضات ستجري بشكل أو بآخر لتفكيك نقاط الخلاف المعقدة.
أوضحت عويس أن الأوساط المتشددة في طهران تشعر بقلق عارم جراء نجاح واشنطن في سحب أوراق القوة الإيرانية خلال فترة الهدنة، وفي مقدمتها ورقة مضيق هرمز، إذ تبلور موقف سلطنة عُمان الرافض لاستغلال المضيق لابتزاز المجتمع الدولي أو جني الأموال لصالح إيران.
وأشارت إلى أن مسار السفن العابرة بات اليوم أقرب إلى المياه الإقليمية لسلطنة عُمان بتنسيق وترتيب مباشر مع الولايات المتحدة، وهو أمر يرعب النظام الإيراني لكونه يجرده فعليًا من أهم عوامل الضغط والسيطرة على حركة الملاحة البحرية.
في الشأن اللبناني، أوضحت الباحثة السياسية أن الاتفاق الموقع بين الحكومة اللبنانية وإسرائيل خلق شعورًا في طهران بأنه يتم تحييد حزب الله وتكريس سلطة الدولة عليه، مما يعكس تراجع النفوذ الإيراني إلى حد جعل فئة من المتشددين تشعر بالحرج من شبهة التنازل عن الحزب أو بيعه.
وأضافت أن واشنطن توظف مذكرة التفاهم لإضاعة الوقت وتجريد إيران من عوامل ضغطها الإقليمية قبل الانتقال للملف النووي، واصفة تلبية الرؤية الإيرانية في لبنان بالـ«مستحيلة»، نظرًا لأن إسرائيل لن تخاطر بأمنها بالجنوب، وبسبب الموقف الأميركي الذي يعبر عنه وزير الخارجية مارك روبيو الداعم لحق إسرائيل في حماية محيطها، فضلاً عن غياب النية الأميركية أصلاً للضغط على نتنياهو للانسحاب الكامل من جبهة تعتبرها واشنطن الأخطر عسكريًا.
لفتت عويس إلى أن طهران تذهب للتفاوض مدفوعة بالتعطش لجني الأموال وتحقيق انفراجة اقتصادية لإنقاذ النظام الحاكم وشعبه من حافة الهاوية، مشيرة إلى أن حديث ترمب عن صندوق استثماري بقيمة 300 مليار دولار كان مجرد فكرة عابرة لم تجد طريقًا للتنفيذ.
وأكدت أن واشنطن لا تمانع رفع العقوبات لكنها تضع شروطًا صارمة تتطلب الشفافية الكاملة من الجانب الإيراني، والكشف الشامل عن البرنامج النووي أمام المراقبين الدوليين، ووضع ملف الصواريخ الباليستية على الطاولة، مع الرفض القاطع لتحويل مضيق هرمز إلى أداة لابتزاز المجتمع الدولي.
وأشارت هديل عويس إلى أن الضمانة القصوى والأولى التي يطالب بها النظام الإيراني اليوم هي ضمان نجاة وجوهه وأفراده ووقف الاختراقات وعمليات الاغتيال في الداخل، خاصة بعد الضربات الأميركية الأخيرة التي استهدفت مواقع إيرانية وهزت بنية النظام.
ونوهت إلى وجود انقسام حقيقي داخل طهران بين تيار أيد التفاوض متوقعًا وقفًا شاملاً للقتال في لبنان، وتيار آخر يدرك عجز إيران عن فرض شروطها الإقليمية، مما يضع قيادة البلاد في مأزق سياسي جراء فقدان أوراق المناورة والردع.
وكان مصدر إيراني كبير قال لرويترز إن اجتماعا سينعقد في العاصمة القطرية الدوحة اليوم سيركز على إدارة مضيق هرمز ونزع فتيل التوتر بين واشنطن وطهران.
وتوقع مسؤول آخر مطلع أن تجتمع فرق فنية من الولايات المتحدة وإيران على نحو منفصل مع وسطاء قطريين وباكستانيين غدا الأربعاء.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك