إيلاف من بغداد: وضعت الحكومة العراقية ملف السلاح خارج الدولة أمام اختبار زمني واضح، بعدما حدّدت 30 أيلول (سبتمبر) المقبل موعداً نهائياً لتسليم سلاح الفصائل المسلحة، في خطوة تستهدف، بحسب ما أعلنته بغداد، إنهاء الازدواجية الأمنية وحصر القوة بيد مؤسسات الدولة.
وقال المتحدث باسم الحكومة العراقية حيدر العبودي، خلال مؤتمره الصحافي الأسبوعي، إن جميع الجماعات المسلحة أُبلغت بموعد محدد لإنهاء هذا الملف، مشيراً إلى أن التاريخ المختار، 30 أيلول، يتزامن مع انتهاء وجود التحالف الدولي لمحاربة تنظيم «داعش» في العراق.
وأضاف العبودي، وفق ما نقلت وسائل إعلام عربية ودولية، أن أي سلاح يبقى خارج إطار الدولة بعد هذا الموعد سيكون خاضعاً للمساءلة القانونية، في إشارة إلى أن الحكومة تريد نقل الملف من التعهدات السياسية إلى جدول تنفيذي ملزم.
ويأتي الإعلان قبل زيارة مرتقبة لرئيس الوزراء العراقي علي الزيدي إلى واشنطن في منتصف تموز (يوليو)، وهي زيارة يُنتظر أن يكون ملف الفصائل المسلحة أحد عناوينها الرئيسية، في ظل ضغوط أميركية متزايدة على بغداد لضمان تفكيك الأدوات المسلحة المرتبطة بإيران أو دمجها ضمن المؤسسات الرسمية.
ويحمل توقيت المهلة دلالة سياسية وأمنية مزدوجة.
فمن جهة، تقول بغداد إن استمرار وجود السلاح خارج الدولة كان يُبرَّر من بعض الفصائل بوجود القوات الأجنبية والتحالف الدولي.
ومن جهة أخرى، فإن انتهاء مهمة التحالف في الموعد نفسه يضع تلك الفصائل أمام سؤال جديد: ما مبرر الاحتفاظ بالسلاح بعد زوال الذريعة المعلنة؟غير أن الطريق إلى 30 أيلول لن يكون إدارياً بسيطاً.
فالعراق يضم شبكة معقدة من الفصائل المسلحة، بعضها مندمج سياسياً ومؤسسياً، وبعضها يحتفظ بهياكل مسلحة ونفوذ ميداني واقتصادي.
كما أن عدداً من هذه الجماعات مرتبط بتحالفات داخلية وإقليمية تجعل ملف نزع السلاح واحداً من أصعب اختبارات الدولة العراقية منذ سنوات.
وتشير تقارير حديثة إلى أن بعض الفصائل أبدت استعداداً للانخراط في مسار حصر السلاح بيد الدولة، بينما لا تزال فصائل أخرى تتحفظ أو ترفض التخلي عن قدراتها المسلحة، خصوصاً تلك التي تنظر إلى نفسها بوصفها جزءاً من معادلة الردع الإقليمي المرتبطة بإيران.
وتصاعدت حساسية الملف خلال الأشهر الماضية، بعد اتهامات أميركية لفصائل عراقية أو خلايا مرتبطة بالحرس الثوري الإيراني بتنفيذ أو تسهيل هجمات على مصالح أميركية أو أهداف في دول خليجية.
وتقول واشنطن إن على الحكومة العراقية اتخاذ إجراءات فورية لتفكيك ما تصفه بـ«أدوات إيران المزعزعة للاستقرار» داخل العراق.
في المقابل، تحاول بغداد الموازنة بين مطلب السيادة من جهة، وضغوط واشنطن وطهران والفصائل المحلية من جهة أخرى.
فالزيدي يريد، بحسب مراقبين، تقديم نفسه كرئيس حكومة قادر على استعادة القرار الأمني للدولة من دون دفع البلاد إلى مواجهة داخلية مفتوحة.
ولا يقل البعد الداخلي أهمية عن البعد الخارجي.
فحصر السلاح بيد الدولة مطلب عراقي قديم، لكنه اصطدم مراراً بتعقيدات السياسة والطائفية والمصالح الاقتصادية.
ولذلك فإن مهلة 30 أيلول قد تكون بداية تحول كبير إذا رافقتها آليات تنفيذ واضحة، أو مجرد موعد سياسي جديد إذا لم تتحول إلى إجراءات ميدانية وقانونية.
وبين ضغط واشنطن، وحسابات طهران، وحذر القوى العراقية، يدخل العراق مرحلة دقيقة عنوانها المعلن تسليم السلاح، وجوهرها الأعمق سؤال الدولة: هل تستطيع بغداد أن تكون وحدها صاحبة القرار الأمني على أرضها؟

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك