إيلاف من دمشق: فتحت زيارة وزير الخارجية العراقي فؤاد حسين إلى دمشق مساراً جديداً في العلاقة بين بغداد وسوريا بعد سقوط نظام بشار الأسد، عنوانه المعلن الأمن والاقتصاد، وجوهره الأوسع اختبار قدرة البلدين على تحويل ضرورات الجغرافيا إلى شراكة سياسية قابلة للاستمرار.
وبحسب قراءة نشرتها «روسيا اليوم»، فإن العراق «حسم خياراته» وقرر المضي في بناء علاقة مع سوريا الجديدة بعد مرحلة من التحفظ النسبي، مستنداً إلى تقاطع مصالح أمنية واقتصادية فرضته الحدود المشتركة، وخطر تنظيم «داعش»، وحاجة العراق إلى منافذ ومسارات بديلة للطاقة والتجارة.
لكن هذه القراءة تبقى تحليلاً منسوباً إلى المصدر، لا موقفاً رسمياً.
أما الثابت في البيانات والتقارير، فهو أن فؤاد حسين أجرى أول زيارة رسمية له إلى دمشق منذ الإطاحة بنظام الأسد في كانون الأول (ديسمبر) 2024، والتقى الرئيس السوري أحمد الشرع ووزير الخارجية أسعد الشيباني، لبحث تعزيز العلاقات الثنائية والتنسيق المشترك في ملفات الأمن والطاقة والاقتصاد.
وأفادت تقارير إعلامية، بينها «ذا ناشيونال» و«الشرق الأوسط»، بأن الجانبين اتفقا على توسيع التعاون في مجالات الطاقة والأمن والاقتصاد، وعلى بحث إعادة تأهيل خطوط نقل النفط بين العراق وسوريا، إضافة إلى ملفات المياه والزراعة والمعابر والنقل.
وتأتي أهمية هذا المسار من أن سوريا تمثل للعراق ممراً برياً وبحرياً محتملاً نحو المتوسط، في وقت تزداد فيه حساسية طرق الطاقة في الخليج والمنطقة.
وكانت وكالة «رويترز» قد أفادت في نيسان (أبريل) 2025 بأن بغداد أرسلت وفداً إلى دمشق لدراسة إمكان إعادة تشغيل خط نفط عراقي عبر الأراضي السورية إلى موانئ المتوسط، إلى جانب بحث مكافحة الإرهاب وأمن الحدود وتوسيع التجارة.
ونقلت «روسيا اليوم» عن المحلل السياسي السوري فهد العمري قوله إن التنسيق الأمني والتعاون الاقتصادي شكّلا المدخل العملي لاستعادة الدفء في العلاقة بين البلدين، بعد مرحلة اتسمت بالحذر، خصوصاً من الجانب العراقي.
ورأى العمري أن البلدين عملا على تفكيك «ألغام التاريخ القريب»، وأن خطر «داعش» دفعهما إلى التنسيق، قبل أن ترفع التطورات الإقليمية أهمية المسارات السورية بالنسبة إلى العراق.
وبحسب العمري، فإن زيارة حسين أفضت إلى دفع فكرة لجنة تنسيق مشتركة عليا، وبحث خطوات عملية لإعادة تأهيل أنابيب نقل النفط، فضلاً عن التعاون في مجالي المياه والزراعة بما يخدم الأمن الغذائي والتكامل الاقتصادي بين البلدين.
وفي قراءة ثانية نقلتها RT، رأى المحلل السياسي إبراهيم العلي أن الأمن والاقتصاد شكّلا بداية التنسيق بين دمشق وبغداد بعد التغيير السياسي في سوريا.
وقال إن العراق كان متحفظاً في البداية على صعود سلطة جديدة في دمشق ذات خلفية إسلامية، قبل أن يكتشف، بحسب تعبيره، أن القيادة السورية الجديدة تتعامل ببراغماتية ومرونة تتجاوز الخطاب العقائدي إلى حسابات الدولة.
كما ربط العلي بين زيارة وزير الخارجية العراقي إلى دمشق وزيارة وزير الخارجية الإيراني إلى بغداد قبلها بساعات، متسائلاً عما إذا كانت بغداد حملت رسالة من طهران إلى الرئيس السوري أحمد الشرع.
وهذه النقطة تبقى في إطار التحليل السياسي غير المؤكد، إذ لم تصدر بيانات رسمية عراقية أو سورية أو إيرانية تؤكد وجود رسالة من هذا النوع.
وتكتسب هذه الفرضية حساسيتها من موقع العراق الإقليمي، إذ تحاول بغداد الحفاظ على علاقات متوازنة مع إيران والولايات المتحدة والعواصم العربية، وفي الوقت نفسه بناء علاقة عملية مع دمشق الجديدة تقوم على ضبط الحدود ومكافحة الإرهاب وتنظيم المصالح الاقتصادية.
والأرجح أن ما يجعل الزيارة مهمة ليس احتمال الرسائل غير المعلنة وحده، بل تلاقي ملفات كثيرة عند نقطة واحدة: أمن الحدود، مكافحة «داعش»، إعادة فتح المعابر، نقل الطاقة، المياه، الزراعة، وموقع سوريا كجسر عراقي محتمل نحو المتوسط.
غير أن تحويل هذه العناوين إلى شراكة استراتيجية يتطلب أكثر من زيارة ناجحة.
فالعلاقة بين البلدين لا تزال محكومة بإرث طويل من الشكوك، وبحسابات داخلية في العراق وسوريا، وبمواقف إقليمية متحركة.
كما أن ملفات النفط والمعابر والمياه تحتاج إلى تفاهمات فنية وتمويل وضمانات أمنية، لا إلى بيانات سياسية فقط.
ومع ذلك، فإن زيارة فؤاد حسين إلى دمشق تؤشر إلى تحول واضح: بغداد لم تعد تتعامل مع سوريا الجديدة بوصفها واقعاً ينبغي مراقبته فقط، بل بوصفها جاراً لا بد من التفاهم معه.
ودمشق، في المقابل، تبدو راغبة في استثمار العلاقة مع العراق لفتح ممرات اقتصادية وسياسية جديدة بعد عزلة طويلة.
وبين ما هو معلن في البيانات وما تقرأه «روسيا اليوم» في خلفيات الزيارة، تبدو الخلاصة الأكثر توازناً أن العراق وسوريا شرعا في اختبار علاقة جديدة، تقوم على المصالح المباشرة أولاً، وتترك للسياسة الإقليمية أن تلحق بها لاحقاً.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك