وتناول بزشكيان في إطار زيارته إلى قم، في جلسة صريحة ومفصّلة استمرت أكثر من ساعتين مع أعضاء جماعة المدرّسين والعلماء في الحوزة العلمية بقم، أهم التطورات والتحديات والتهديدات والقرارات الاستراتيجية التي شهدتها البلاد على مدى العامين الماضيين.
وفي هذه الجلسة التي جرت في أجواء متخصّصة وقائمة على الحوار المباشر، شرح رئيس الجمهورية النجاحات والإنجازات المهمة التي حققها النظام في مواجهة تجاوزات الأعداء واعتداءاتهم، معتبراً أن صمود الإيرانيين، والدفاع الباسل للقوات المسلحة، والحضور الشعبي المشرّف والمؤثّر في دعم البلاد، يشكّلون صفحة مضيئة في تاريخ إيران، وسبباً لعزّتها واعتزازها في العالم الإسلامي، وكذلك لدى أحرار العالم.
كما استذكر الرئيس أرواح شهداء الحرب العدوانية الأخيرة، وقدّر صمود الشعب الإيراني، وتضحيات القوات المسلحة، والتلاحم النادر الذي أبدته مختلف شرائح المجتمع في تجاوز الظروف الصعبة التي مرّت بها البلاد، وقال: " ما تحقّق في الأشهر الماضية كان تجلّياً واضحاً للتماسك الوطني، ووفاء الشعب لإيران وللثورة والنظام، وجهوزية كلّ إمكانيات البلاد للدفاع عن العزّة والأمن القومي".
وفي معرض إشارته إلى الملاحم البطولية التي سطّرتها القوات المسلحة في الدفاع عن البلاد، وكذلك إلى تعاون التجار والمنتجين وأصحاب المهن والحرف والفاعلين الاقتصاديين في توفير احتياجات الشعب في الظروف الاستثنائية، أضاف بزشكيان: " في الأيام التي سعى فيها الأعداء إلى خلق الاضطراب وانعدام الأمن في البلاد عبر الضغوط الشاملة، أحبط الشعب الإيراني، بتضامنه ومسؤوليته وحضوره الواعي، مخططاتهم، وأثبت مجدداً أن الرأسمال الحقيقي للبلاد هو الشعب، والثقة المتبادلة بين الشعب والنظام".
وبعد أن قدّم الرئيس تقريراً عن وضع البلاد منذ بدء عمل الحكومة، شدّد على أن الحيز الأكبر من الطاقة الإدارية للحكومة، خلال العامين الماضيين، قد صُرف في إدارة الأزمات، والحدّ من آثار الضغوط الخارجية، ومنع انعكاس تداعيات هذه التحديات على الحياة اليومية للمواطنين.
وأشار رئيس الجمهورية إلى الجهود المكثّفة التي بذلها الأعداء لإحداث خلل في حوكمة البلاد، وقال: " ما نشهده اليوم في المجتمع هو نتيجة الجهاد المتواصل لأجهزة الدولة التنفيذية، والمؤسسات الحاكمة، والقوات المسلحة، وتضامن الشعب، الذي لم يسمح بتحقيق أهداف الأعداء الرامية إلى زعزعة الاستقرار، وانهيار الهياكل الاقتصادية، والإخلال بالتماسك الوطني".
وأوضح بزشكيان أن الإنصاف في تقييم أداء الحكومة يتطلّب فهماً دقيقاً لظروف البلاد، وحجم الأزمات المتراكمة التي واجهتها الحكومة، مشيراً إلى أنه في مثل هذه الظروف، كان من المتوقع أن تتضافر كل التيارات الوطنية لعبور الصعوبات، وأن يجري تجنّب الأحكام غير المنصفة والنيل من رأس المال الاجتماعي للنظام.
واستعرض رئيس الجمهورية بعد ذلك إجراءات الحكومة في مختلف المجالات، متطرقاً إلى البرامج المنفّذة لتعزيز أمن الطاقة، ومعالجة الاختلالات، وتطوير البنى التحتية للإنتاج وتوزيع الطاقة، والسياسات الداعمة لمختلف شرائح المجتمع، ومنها تطبيق نظام الكوبون الإلكتروني للسلع، وتوسيع العدالة التعليمية، وتعزيز النظام الصحي، وتعويض الأضرار الناجمة عن الحرب، وإعادة إعمار المناطق المتضرّرة، ودعم الإنتاج، وتعزيز القدرة الدفاعية والقوات المسلحة، رغم كلّ الضغوط والتهديدات والقيود المالية.
كما عدّد الرئيس" نهج التركيز على الأحياء" كأحد الاستراتيجيات المهمة للحكومة في مجال الحوكمة الاجتماعية، موضحاً أن الهدف من هذا النهج هو زيادة مشاركة الشعب في عمليات صنع القرار وتنفيذ البرامج، وتقوية رأس المال الاجتماعي على المستوى المحلي.
وشدّد بزشكيان على ضرورة الواقعية في تحليل ظروف البلاد، مضيفاً: " تقع على عاتق النخب ووسائل الإعلام والجماعات المرجعية مسؤولية تبيين حقائق البلاد للناس، وتجنّب خلق توقعات غير واقعية وأوهام قد تؤدي إلى اليأس".
ثم تناول رئيس الجمهورية مسار المفاوضات والاتفاق الأخير، مشيراً إلى تعقيدات عملية اتخاذ القرار في هذا المجال، وقال: " إن جميع مراحل المفاوضات جرت في إطار السياسات العامة للنظام، وبالتنسيق الكامل والمستمر مع قائد الثورة، وفي سياق الآليات القانونية للبلاد".
وأضاف: " رغم القيود والاعتبارات الأمنية القائمة، خضع النص النهائي للاتفاق لتقييم الخبراء والجهات الأمنية المختصة، وحظي بدعم قاطع من أعضاء المجلس الأعلى للأمن القومي".
وأكد بزشكيان أن الحكومة، في جميع مراحل المفاوضات، سعت إلى إحقاق حقوق الشعب الإيراني من موقع العزّة والقوة والحفاظ على المصالح الوطنية، ولم ترضَ ولن ترضى تحت أي ظرف بالمطالب المفروضة من الأعداء.
ووصف رئيس الجمهورية الاتفاق الأخير بأنه إنجاز آخر للشعب الإيراني في مجال الدبلوماسية، وأعرب عن أسفه لأن بعض التيارات، بالتوازي مع الحرب النفسية التي تشنّها وسائل الإعلام المعادية، تسعى من خلال التشهير بفريق المفاوضات والتشكيك في القرارات الوطنية، إلى تهيئة الظروف لإضعاف هذا الإنجاز.
ثم قدّم رئيس الجمهورية إيضاحات صريحة وشفّافة حول المواضيع التي طرحها أعضاء" جماعة المدرّسين" بشأن القضايا الاقتصادية والسياسية والاجتماعية والثقافية ومسار المفاوضات، وأكّد، بعد شرح بعض الحقائق والاعتبارات المؤثرة في عمليات صنع القرار الكبرى في البلاد، على ضرورة التعرف بدقّة أكبر على الظروف ومتطلبات إدارة الدولة.
وفي هذا السياق، رأى بزشكيان أن التماسك الداخلي للنظام، والتكامل بين أركان الحكم المختلفة، هو شرط أساسي للنجاح في حلّ مشاكل البلاد، وقال: " طالما لم نصل إلى لغة مشتركة وفهم موحّد للقضايا، سيكون تحقيق الأهداف الوطنية أمراً صعباً".
وذكّر رئيس الجمهورية بدعم القائد الشهيد للحكومة، وحرصه على التنسيق بين مختلف قطاعات النظام، قائلاً: " كان القائد دائماً سنداً للحكومة، وأكّد في مناسبات عديدة على التنسيق والتكامل بين مؤسسات اتخاذ القرار.
حتى في الحالات التي كان القرار من اختصاصه وحده، كان يرى ضرورة التنسيق مع الأركان الأخرى، ومنها السلطة التنفيذية".
كما أشار رئيس الجمهورية إلى دور وسائل الإعلام في تعزيز التضامن الاجتماعي، وأكّد ضرورة أن تتحرك جميع وسائل الإعلام المؤثرة في إطار السياسات المعتمدة للنظام وقرارات المؤسسات القانونية.
وحول السياسات الاقتصادية للحكومة وآثارها على اقتصاد البلاد، قال بزشكيان: " إن إصلاح نظام دعم العملة اتُخذ بالتنسيق الكامل مع مراجع القرار العليا في البلاد، وكان له أثر كبير في منع نشوء الريع والفساد والإخلال في توفير السلع الأساسية".
وأضاف: " في ظلّ الأزمة المالية الحادة التي واجهتها البلاد، أسهم إصلاح هذه الآلية، والجهود المتواصلة للأجهزة التنفيذية لتكملة المخزون الاستراتيجي، في أننا لم نواجه نقصاً في السلع الأساسية خلال فترة الحرب والظروف الحرجة".
وحول الاستفهامات المطروحة بشأن مسار المفاوضات، أوضح بزشكيان: " لن تتراجع الجمهورية الإسلامية الإيرانية تحت أي ظرف عن حقوق الشعب، والمبادئ الأساسية، والمصالح الوطنية، وإن اعتماد البلاد الأساسي هو على الله تعالى، والشعب، وقيادة النظام".
وأضاف رئيس الجمهورية: " إن اتخاذ القرار في الظروف الحساسة للبلاد يتطلب الاختيار بين الخيارات المختلفة، وتقييماً دقيقاً لتكاليف وفوائد كل مسار.
وفي الفترة الأخيرة، كان إجماع غالبية أعضاء المجلس الأعلى للأمن القومي، هو الاستفادة من طاقة الدبلوماسية لتثبيت مكتسبات الميدان وتحقيق المصالح الوطنية".
وحول المتابعة القانونية لجرائم أميركا والكيان الصهيوني بحق الشعب الإيراني، قال: " لقد سخّرت الحكومة كلّ الطاقات القانونية الداخلية والدولية لمتابعة هذه الجرائم، ولن تتراجع عن هذا المسار حتى إحقاق حقوق الشعب الإيراني".
وتطرق بزشكيان إلى قضايا الثقافية وقضية عدم الالتزام بالحجاب في المجتمع، وأكّد أن تشكّل الفضائل الأخلاقية هو عملية طويلة الأمد وتربوية، وقال: " إن المشاكل الثقافية والاجتماعية الراهنة هي نتاج سنوات من الإهمال في مجال التعليم والتربية، ولا يمكن توقع حلها في فترة قصيرة".
وأضاف رئيس الجمهورية: " لهذا السبب، تركّز الحكومة جلّ اهتمامها على تحسين جودة النظام التعليمي وإصلاح العمليات التربوية في المدارس، لأن الكثير من المشاكل الثقافية والاجتماعية تتشكل منذ الطفولة والمراهقة".
وشدّد بزشكيان على الدور المهم لرجال الدين والحوزات العلمية في تعزيز الفضائل الأخلاقية في المجتمع، وقال: " يجب على الجميع، بنظرة نقدية تحليلية، تقييم دورهم ومسؤوليتهم في الوضع الثقافي الراهن، والعمل على تعويض النواقص والارتقاء برأس المال الثقافي للبلاد".

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك