يعيش لبنان اليوم وضعا استثنائيا وحالة إعسار سياسي وأمني واقتصادي واجتماعي، ويعاني من انقسام حاد بين أطراف معادلته الوطنية: انقسام عمودي، وأحيانا أفقي، وتحالفات داخلية" أميبية"، لا معالم لها، ولا تصمد، ولا يمكن التعامل معها كثوابت يُبنى عليها.
فلبنان الرسمي والقوى والأحزاب السياسية موزعة من حيث البعد السياسي: كتلة تنتظر نتائج مباحثات إسلام آباد وجنيف لتنفيذ ما ورد في مذكرة التفاهم الأمريكية الإيرانية فيما يتعلق بلبنان، وهل سيفضي الحوار الأمريكي الإيراني إلى تحقيق الانسحاب من الأراضي التي احتلتها إسرائيل مؤخرا؟وكتلة أخرى متمثلة في الإطار الرسمي، رئيس الجمهورية، ورئيس الوزراء وجزء كبير من الكتلة البرلمانية التي تدعم مضمون مذكرة التفاهم التي وقعت مؤخرا في واشنطن بين الحكومة اللبنانية وحكومة الاحتلال.
لا بد من التأكيد على أن تتضمن المبادرة العربية- وفق اتفاق لبناني مأمول- انسحاب قوات الاحتلال من كامل الأراضي اللبنانية المحتلة حسب جدول زمني لا يزيد على شهرينوالحقيقة أن هذا الانقسام الحاد جدا وغير المسبوق في الحياة السياسية اللبنانية وإن بقي على مدى أطول بلا معالجة، فقد يذهب بلبنان- لا سمح الله- إلى مستوى أسوأ من الانقسام السياسي وربما الحرب الداخلية؛ أي ارتداد الصراع من جهته الطبيعية مع إسرائيل ليصبح صراعا داخليا بين الأطراف اللبنانية.
والحقيقة المؤسفة التي يجب أن تقال- ومن عربي محب للبنان- أن كل الأطراف الخارجية الفاعلة في لبنان اليوم- كل منها بلا استثناء- تبحث عن مصالحها وتعمل وفق أجندة خاصة، ولا تهمها مصلحة لبنان واستقراره، أو إعادة أراضيه، ويبقى الطرف البعيد عن لبنان عمليا هو الفاعل العربي، الذي يفترض أن يكون بلا أجندة خاصة، إنما أجندته أمن واستقرار ووحدة لبنان.
وأذكر بأن الأمور حين وصلت إلى ذروتها بعد الحرب الأهلية البغيضة الطويلة التي حلت بلبنان منذ أواسط سبعينيات القرن الماضي وحتى أواخر الثمانينيات، ما كان لها أن تنتهي لولا دور عربي مبارك، تُوج بتدخل المملكة العربية السعودية، وإبرام اتفاق الطائف الذي وقعته كافة القوى السياسية اللبنانية، ما أدى إلى صياغة معادلة جديدة لبنانية سياسية تراعي المستجدات الاجتماعية والسياسية داخل لبنان، وتضعه على سكة الأمن والاستقرار.
إذًا نحن بحاجة إلى طرف" خالي شهوة" ليس له أجندة خاصة، وليس على شاكلة الأطراف الخارجية الفاعلة في لبنان التي- كما ذكرت- ذات أجندات خاصة بها، وآخر ما تفكر به مصلحة لبنان أو أمنه واستقراره، أو حتى وحدته الوطنية، فلكل من هذه القوى الفاعلة الخارجية امتدادها السياسي داخل المنظومة السياسية التي تتطاحن فيما بينها، ولا أدري إذا كانت هذه المنظومة تعبر عن مصالح وأجندات خارجية!الأمور حين وصلت إلى ذروتها بعد الحرب الأهلية البغيضة الطويلة التي حلت بلبنان منذ أواسط سبعينيات القرن الماضي وحتى أواخر الثمانينيات، ما كان لها أن تنتهي لولا دور عربي مبارك، تُوج بتدخل المملكة العربية السعودية وإبرام اتفاق" الطائف"إن الطرف العربي المنتظر تدخله في الأمر أمامه مهمة تاريخية كبرى ومفصلية يمكن أن يتبلور عنها اتفاق الطائف رقم" 2".
وهنا لا أقصد مدينة الطائف بالذات، بل أي مدينة عربية تأخذ على عاتقها التصدي للشأن اللبناني بجمع كل أطراف المعادلة السياسية بما يفضي إلى اتفاق على أساس قاعدة وحدة الشعب والأرض، وتأمين جبهة وطنية متراصة جديرة بالدفاع عن حقوق لبنان وضمان سيادته وأمنه الوطني.
إضافة إلى ما يقتضيه ذلك من تعزيز دور المؤسسات الدستورية لتعيد للدولة وحدتها، وتحقق مبدأ العدالة والمساواة بين اللبنانيين، التي تعبر عن مصالحها وعن منظومتها الدفاعية والنهوض بالاقتصاد الوطني، وتجنب أي إمكانية لحرب أهلية أو مواجهات مسلحة، لا سمح الله.
وأعتقد أن لقاء الطائف" 2" المقترح، يمكن أن يحمل مبادرة من الدول العربية الوازنة في المنطقة تؤدي إلى صفقة سياسية تضمن انسحاب إسرائيل الكامل من الأراضي اللبنانية مقابل إدماج كلي لقوات حزب الله وكافة المليشيات اللبنانية في الجيش اللبناني بحيث تصبح هذه القوى والمليشيات جزءا لا يتجزأ من المنظومة الأمنية والدفاعية والقتالية للبنان، في إطار الجيش الوطني التابع للمؤسسة الرسمية الدستورية.
وذلك وفق مدى زمني محدد بعيد عن تسويفات ومناورات الكيان الصهيوني، وبعيد كذلك عن التلاعب بالألفاظ والوقت، إذ بات واضحا للجميع أنه لا تمر فترة زمنية محددة، إلا ورأينا تلاعبا آخر للإبقاء على الاحتلال، تماما مثلما يجري في غزة اليوم.
اليوم المرحلة أصعب، والانقسام أكثر حدة، والتدخل الصهيوني أشد ضراوة، وبالتالي فإننا بحاجة ملحة إلى مبادرة عربية تجنب لبنان الانزلاق إلى درك أدنىفقد تقرر في خطة السلام الأمريكية أن تبقى إسرائيل بصورة مؤقتة في حوالي 52% من قطاع غزة ولفترة محدودة حتى تبدأ المرحلة الثانية، وها هي الأشهر تمر دون أن يبدأ تنفيذ المرحلة الثانية التي تقضي بانسحاب جيش الاحتلال الإسرائيلي من القطاع.
وعلى العكس تماما فإن الاحتلال يتعزز ويتمدد في أراضي قطاع غزة.
إذا فلا بد من التأكيد على أن تتضمن المبادرة العربية- وفق اتفاق لبناني مأمول- انسحاب قوات الاحتلال من كامل الأراضي اللبنانية المحتلة وفق جدول زمني لا يزيد على شهرين، يتزامن مع إدماج قوات حزب الله وكافة المليشيات المسلحة في إطار الجيش اللبناني.
وبعد، إنها دعوة للقادة العرب أن يتنبهوا إلى لبنان؛ فلبنان إن بقي على هذا الحال فإن مؤسساته سوف تضيق به حتى تنفجر، فيرتد الصراع من جهته الرئيسية مع الاحتلال الإسرائيلي إلى جهة داخلية فرعية، فيصبح صراعا داخليا دمويا بين اللبنانيين أنفسهم.
ولنا تجربة مرّة مع لبنان، حينما انفجرت حافلة لبنانية ذات يوم في بداية السبعينيات كانت مقدمة لحرب داخلية أهلية امتدت لسنوات طويلة أدت إلى احتلال بيروت، وسقط على إثرها عشرات آلاف الأبرياء من زهرة شباب لبنان في حرب عبثية كان يمكن تداركها.
واليوم فإن المرحلة أصعب، والانقسام أكثر حدة، والتدخل الصهيوني أشد ضراوة، وبالتالي فإننا بحاجة ملحة إلى مبادرة عربية تجنب لبنان الانزلاق إلى درك أدنى.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك