إسطنبول/ ليث الجنيدي / الأناضولاستهل العراق أسبوعه على وقع حراك سياسي وأمني غير مسبوق، مدفوعا بـ" لاءات" أطلقها رئيس وزرائه علي الزيدي منذ نيل حكومته ثقة البرلمان في 14 مايو/أيار الماضي، لترسم ملامح مرحلة جديدة في البلاد.
وتمثلت هذه" العقيدة" في إعلان الحرب على الفساد، وملاحقة السلاح المنفلت، وبناء اقتصاد مستدام ينهي الارتهان للريع النفطي، إلى جانب تعهد شخصي بعدم الترشح لولاية ثانية، في محاولة لطمأنة الشارع والقوى السياسية.
وتشير المعطيات إلى أنه في الجلسات الحكومية المكثفة خلال 47 يوما، تحولت هذه" اللاءات" من خطابات سياسية إلى إجراءات تنفيذية وتشريعية، مهدت لمرحلة وُصفت بأنها من أكثر المراحل حساسية في العراق.
وفي مقابلة صحفية، أوضح الزيدي رؤيته بشكل مفصل، إذ اعتبر الفساد تهديداً وجودياً للدولة.
وأطلق تصريحات حازمة بقوله: " لا حصانة لأي فاسد.
سأطارد كل حرامي ليلاً نهاراً.
أموال الشعب ستعود".
وترجمت هذه التوجهات عملياً عبر سلسلة من الإجراءات الحكومية، استهدفت ما وصفته الحكومة بـ" مراكز النفوذ والفساد".
ففي الجلسة الأولى للحكومة، ألزم الزيدي الوزراء بكشف الذمة المالية خلال أسبوع، مع حظر التغييرات الهيكلية الحزبية داخل مؤسسات الدولة.
وفي الجلسة الثانية، وُجِّهت هيئة النزاهة إلى جعل ملف استرداد الأموال المنهوبة أولوية، مع استثمار العلاقات الدولية للضغط على الدول الحاضنة.
ومع تتابع الجلسات، اتجهت الحكومة إلى تشديد الإجراءات الرقابية والمالية، إذ أقرت الجلسة السابعة إيقاف التعاقدات الاستثمارية التي تجاوزت أوامر الغيار فيها نسبة 25 بالمئة، للحد من العقود الوهمية.
وأوامر الغيار هي كشوفات تعديلية أو ملاحق عقود تصدر أثناء تنفيذ المشروع لتغيير كميات المواد أو إضافة أعمال جديدة لم تكن مذكورة في المخطط الأصلي.
وصوّتت الجلسة الثامنة على قرار ضريبي وصف بأنه غير مسبوق، يقضي بإخضاع الشركات النفطية الأجنبية لضريبة دخل ثابتة بنسبة 35 بالمئة، إلى جانب إلزام الكليات الأهلية بتسديد الضرائب دون استثناءات.
وتقول الحكومة إن هذه الإجراءات تشكل غطاءً قانونياً لحملة أمنية وقضائية تستهدف الفساد.
والأحد، أعلنت السلطات توقيف متهمين في قضايا فساد مالي وإداري، بينهم نواب ومسؤولون، بناء على اعترافات مرتبطة بقضية وكيل وزارة النفط الموقوف عدنان الجميلي.
وحسب السلطات، تُقدَّر المبالغ المضبوطة بنحو 23 مليون دولار، وتم الحجز على 70 عقاراً و21 سيارة حديثة، ومصوغات ذهبية تزن والي ثلاثة كيلوغرامات.
وفي الملف الأمني، جدد الزيدي رفضه لوجود" السلاح المنفلت".
وأعلن أن السلطات تسلمت أسلحة من فصائل عدة، مع التمهيد لعقد" مؤتمر السيادة الوطنية" قبل نهاية العام الجاري بهدف حصر السلاح بيد الدولة.
وشدد على أنه" لا شيء أقوى من الدولة"، مؤكداً رفض أي إملاءات خارجية" من الشرق أو الغرب".
واتخذت الحكومة خطوات تنظيمية داخل مجلس الوزراء، شملت قرارات لحوكمة الإيرادات والأموال، والموافقة على مشروع قانون" هيئة الرقابة الداخلية الاتحادية" وإحالته إلى البرلمان.
وتقول الحكومة إن هذه الإجراءات تهدف إلى تعزيز سلطة الدولة وتوحيد القرار الأمني والمالي، تمهيداً لإنهاء ظاهرة السلاح خارج المؤسسات الرسمية.
وفي البعد السياسي، برزت لاءة عدم الترشح مجددا بوصفها إحدى أبرز رسائل الحكومة، إذ أكد الزيدي رفضه خوض الانتخابات المقبلة (بعد 4 سنوات) في خطوة تهدف إلى تعزيز الثقة، وفق تصريحات سابقة.
وشدد الزيدي على توجه اقتصادي يقوم على تقليل الاعتماد على النفط، عبر إطلاق إصلاحات تهدف إلى تنويع مصادر الدخل وإنشاء" صندوق الطاقة والتنمية" لجذب الاستثمارات.
وتضمنت الإجراءات الحكومية أيضاً رفع مستويات تصدير النفط عبر مسارات مختلفة، بما يضمن استقرار التدفقات المالية، وفق ما أوردته الجلسات الحكومية.
ويحظى الزيدي بدعم أمريكي لافت، إذ تلقى اتصالا من الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في 30 أبريل/نيسان الماضي، هنأه فيه بتولي منصبه ودعاه لزيارة واشنطن، وهي زيارة متوقعة منتصف يوليو/تموز المقبل.
وجاء تشكيل حكومته بعد مخاض سياسي معقد داخل تحالف" الإطار التنسيقي"، قبل أن تنتهي التوازنات السياسية إلى اختيار الزيدي كمرشح تسوية لتشكيل الحكومة.
ويرى مراقبون أن" لاءات" الزيدي تمثل اختبارا عمليا لقدرة حكومته على تفكيك مراكز النفوذ وترسيخ سلطة الدولة، في وقت يبقى فيه التنفيذ الفعلي هو العامل الحاسم خلال المرحلة المقبلة.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك