في خطاباته خلال مراسم توقيع مذكرات التفاهم مع إيران، كرر الرئيس الأمريكي ما اعتبره حجة دامغة لصالح التوقيع: بعد التوقيع، ستنخفض أسعار النفط بشكل حاد، ثم سترتفع أسعار الأسهم.
ووعد ترامب بحدوث طفرة في سوق الأسهم، ومعها عودة الازدهار.
أوضح الرئيس استعداده لتقديم تنازلات للنظام الإيراني لتجنب “كارثة اقتصادية عالمية”، أي انهيار الاقتصاد العالمي ودخوله في كساد، وبطالة جماعية، وموجات تضخم، وكل ذلك بسبب زرع الألغام في مضيق هرمز – وهو ممر مائي ضيق نسبياً في الخليج العربي – مما أضر بسلسلة إمدادات النفط والغاز الطبيعي.
وقد لاقى تفسيره صدى واسعاً في الخطاب الاقتصادي العالمي.
تكرر هذا الكلام مرارًا وتكرارًا من قِبل قادة الرأي العام، والمستثمرين القلقين، وبالطبع السياسيين المؤيدين لتسوية ترامب.
استذكروا مرارًا وتكرارًا الأيام العصيبة لأزمات النفط في عامي 1973/1974 و1979/1980 وعواقبها الوخيمة: الظلام الذي خيّم على المدن الكبرى في الغرب، وتوقف الإنتاج المستمر، والضرر الذي لحق بالصناعة والوظائف، والطوابير الطويلة أمام محطات الوقود، والارتفاع الحاد في مؤشرات الأسعار.
باختصار، كارثة بكل المقاييس.
ترامب وجوقة مُروّجي الذعر الذين تبعوه “نسوا” أمراً واحداً فقط: لقد مرّت خمسون عامًا على أزمات النفط تلك، التي شهد خلالها قطاع الطاقة تحولًا جذريًا.
في عام 1980، كان يُنتج حوالي 40 في المئة من كهرباء العالم من النفط؛ أما في الربع الأخير من عام 2025، فلم تتجاوز هذه النسبة 2 في المئة.
لذا، فإن ارتفاع أو انخفاض سعر النفط لا يؤثر اليوم إلا تأثيرًا طفيفًا على أسعار الكهرباء وأسعار المنتجات والخدمات التي يُستخدم النفط في إنتاجها.
شهد قطاع النقل تحولاً ملحوظاً: فأسطول السيارات أصبح أكثر كفاءة في استهلاك الوقود، وحصّة السيارات الكهربائية والهجينة في ازدياد مطرد.
بل وأكثر من ذلك، فقد أدى التحسين المستمر لكفاءة الطاقة إلى خفض استهلاك النفط بنسب تصل إلى عشرات بالمئة لكل وحدة من الناتج المحلي الإجمالي العالمي الحقيقي.
وبفضل هذه التوجهات، فاقت احتياطيات النفط في دول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OECD) العام الماضي، حتى قبل أن تزيد الولايات المتحدة إنتاجها من النفط والغاز الطبيعي بنسبة ملحوظة رداً على حصار مضيق هرمز.
أنتج العالم من النفط أكثر بكثير مما كان يستهلكه.
ورغم أن ارتفاع أسعار البنزين في محطات الوقود لا يزال ملحوظاً، إلا أن أثره لا يتجاوز 1 إلى 2 في المئة على مستوى المعيشة، ولا توجد أي بوادر للذعر.
وعلى النقيض تماماً من ادعاءات ترامب، واصلت أسواق الأسهم ارتفاعها خلال أشهر النزاع في مضيق هرمز، ثم انخفضت بنسبة لا تقل عن 3 إلى 4 في المئة منذ توقيع مذكرة التفاهم/الاتفاق الإطاري بين الولايات المتحدة وإيران.
لنكن واقعيين.
إن القدرة العسكرية المزعومة للحرس الثوري الإيراني على إطلاق طائرة مسيرة بين الحين والآخر على سفينة حاويات أو ناقلة نفط في مضيق هرمز لا تجعلها قوة عظمى أو دولة ذات نفوذ.
إيران أبعد ما تكون عن هذا الوضع؛ فهي في أسفل هرم الثروة العالمية.
هذه دكتاتورية إسلامية فقيرة، منهكة، ومنهارة، يعيش شعبها في خوف دائم.
خوف من الانفصال وما يتبعه من تضخم مالي، خوف من الاضطهاد الوحشي، خوف من القصف.
يبلغ نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي في إيران حوالي 3400 دولار أمريكي العام الماضي، أي أقل بنسبة 97 في المئة تقريبًا من نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي في أمريكا، الذي يبلغ حوالي 94000 دولار أمريكي.
النظام في إيران يقترب من حافة الانهيار، وهو غير قادر فعليًا على تهديد أمريكا أو الاقتصاد الغربي أو حرية المرور عبر مضيق هرمز.
إنه يُلوّح بمسدس ماء.
والنتيجة واضحة.
لقد اختار ترامب عن وعي أن يُثير مخاوفه من العواقب الاقتصادية العالمية الوخيمة المزعومة لاستمرار إغلاق مضيق هرمز، ويُسوّق هذه الرواية بقوة للرأي العام.
تُشكّل هذه الكارثة الاقتصادية غطاءً ملائماً لتبرير تحوّله في سياسته تجاه إيران، وهي سياسة جديدة تُفضّل الحوار، حتى وإن كان جزئياً ومعيباً، على اندلاع حرب أخرى، حتى وإن كان من المؤكد أن تُسفر عن نصر أمريكي ساحق.
هذا خيار يُمكن تفسيره دون الحاجة إلى اختلاق مبررات اقتصادية سخيفة.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك