في إيران لا يُقرأُ استشهاد القائد كخسارةٍ، بل كتحوّلٍ إلى وقودٍ روحيٍّ للأمة، وفي الخيال الجمعي للشعب الإيراني، الجسد يفنى لكن الفكرة تبقى، كلُ صورة شهيدٍ تُرسم بنورانيةٍ وبملامح هادئةٍ، وتعلق على جداريات عموم شوارع وميادين إيران، لتقول إن الموت لم يكن نهايةً، بل بدايةُ معنىً جديد، تلك الصور تُحوّل الفرد إلى رمز، والرمز إلى طاقةِ تعبئةٍ تؤكد أن صورة الشهيد على الجدار ليست عن شخصه فقط، بل عن الأمة بأكملها كلُ جداريةٍ تعني أن هذا الفرد ذاب في الجماعة، والجماعةُ تستمد منه قوتها، لذلك، الشهادة في إيران ليست حدثاً فردياً، بل هويةٌ جماعيةٌ تتجدد يومياً في الفضاء العام، الجداريات في إيران ليست زينةً، بل نصوصٌ بصريةٌ تُعيد إنتاج معنى الشهادة، من الحسين إلى المعاصرين، من الفناء الجسدي إلى بقاء الفكرة، من الفرد إلى الأمة، هي ذاكرةٌ حيّةٌ، وخطابٌ تعبويٌّ، وجمالياتٌ روحيةٌ، تجعل الشهادة في الخيال والوجدان الإيراني بوابةً للخلود لا للفقد.
حين يصبحُ الموت شرفاً، يفقد قدرته على التخويف، من الحسين (ع) إلى الشهداء المعاصرين، قبول الفناء الجسدي مقابل بقاء المعنىحين يصبح الموت شرفاً، لا يعود وسيلةً للترهيب، هذا يفسر قدرة المجتمع الإيراني على مواجهة العقوبات، والحروب، والاغتيالات دون انهيارٍ جماعيّ، الشهادة في إيران ليست مجرد موت، بل بنيةٌ ثقافيةٌ واجتماعيةٌ تعيد تعريف العلاقة بين الفرد والجماعة، بين الجسد والمعنى، بين التاريخ والحاضر، كربلاء هي النموذج المؤسس فالإمام الحسين هو المرجع الأول لفهم الشهادة في إيران، ليس شخصيةً تاريخيةً فقط، بل رمزٌ وجوديٌّ يؤصل الفناء الجسدي مقابل بقاء الفكرة، والامتداد المعاصر هو أن كلَّ شهيدٍ في الثورة الإسلامية أو الحرب العراقية الإيرانية أو الحروب الأمريكية الإسرائيلية ضد إيران، يُقرأ كامتدادٍ لشهداء كربلاء، مما يمنح التضحية معنىً يتجاوز اللحظة السياسية الراهنة، الشهادة كهويةٍ جماعيةٍ هي جزءٌ من تعريف الذات الجمعية، الإيراني يرى نفسه أنه شعبٌ لا يخاف الموت، وبالتالي لا يُهزم، والفضاء العام يعيد إنتاج هذه الهوية يومياً عبر صور وأسماء الشهداء المُعلقة في كل عموم شوارع وميادين مدن إيران، الشهادةُ كقيمةٍ أخلاقيةٍ وجمالية، الشهيد هو نموذجٌ للإخلاص، والتضحية، ورفض الظلم، الطفل الإيراني يتربى على قصص الشهداء في المدرسة، في الإعلام، في المناسبات الدينية، فيتشكل لديه نموذج الإنسان الكامل، الذي يضحّي بنفسه من أجل الآخرين، الشهادة والبطولة الشهيد يُقدَّم كنموذجٍ للرجولة الكاملة، الشجاعة، التضحية، وحماية الآخرين، الشهادة ليست فعلاً فردياً في إيران، بل تتحول إلى طاقةٍ جماعيةٍ من" أنا مستعدٌ للموت" إلى" نحن لا نُهزم" الفرد يذوب في الجماعة، والجماعة تكتسب من تضحيته قوةً إضافية.
في إيران استشهاد القائد لا يعني نهايةَ المسار، بل بدايةُ مرحلةٍ جديدةوهذا بالضبط ما يجعل مفهوم الشهادة في إيران ليس مجرد حدث، بل بنيةٌ اجتماعيةٌ متكاملةٌ الشهيد القائد يتحول إلى رمز، والرمز يُصبح وقوداً تعبوياً، من الموت إلى الخلود في الوعي الإيراني يعني أن الشهادة ليست فقداً، بل اكتمالُ الحياة، الشهيد يُرى كمن انتقل إلى مرتبةٍ أعلى" أحياءٌ عند ربهم يُرزقون" وهذا يخفف من وقع الفقد ويحوّله إلى مصدرٍ للفخر ويصبح الموت بوابةً للخلود، من الألم إلى التعبئة فقد الشخصيات الكبرى يُترجم إلى حشودٍ جماهيريةٍ وإلى شعورٍ بالمسئولية، وإلى استعدادٍ لمواصلة الطريق، الألم لا يُقرأ كضعفٍ، بل كدعوةٍ إلى مزيدٍ من الصمود، من" أنا الإيرانيُّ مستعدٌ للموت" إلى" نحن لا نُهزم في إيران" وأبداً" لا يمكن كسرنا بسهولة"، لأننا" لا نخافُ من الشهادة".
الشهادة في إيران هي استمرارٌ لا انقطاع في الوعي الإيراني، إذا رحل قائدٌ، يظهر آخرُ فوراً، إذا سقط رجلٌ، يقف خلفه عشرة، إذا غاب رمزٌ، يتحول إلى طاقةٍ روحيةٍ تدفع الناس إلى الأمام، ولهذا لا ترى في إيران انهياراً نفسياً عند موت شخصيةٍ كبيرةٍ، بل ترى حشوداً، صموداً، دموعاً ممزوجةً بالفخر، شعوراً بأن الطريق لا يتوقف الشهادة هنا ليست فقداً، بل تسليماً للراية.
الشهادة في إيران قيمةٌ روحيةٌ لا سياسية الإيراني لا يرى الشهيد ضحيةً، بل يراه صاحب اختيار، صاحب موقف، صاحب يقين، صاحب تضحية، ولهذا تُقرأ الشهادة باعتبارها قرباً من الله، لا كخسارةٍ دنيوية.
الشهادة جماليات، نعم، في إيران للشهادة جمالياتٌ متأصلةٌ فالشعر الفارسي يحتفي بها، الموسيقى الثورية تُقدّسها، السينما الإيرانية تبني عليها سردياتها، الفنون التشكيلية تُخلّد رموزها، هي ليست موتاً بل فناً روحياً.
الشهادةُ سلاحٌ نفسيٌّ ضد الخوف حين لا يخافُ شعبٌ من الموت، لا تستطيع قوةٌ في العالم أن تهزمه، وهذا ما يجعل المجتمع الإيراني عصيّاً على الكسر، صبوراً، قادراً على تحمّل العقوبات، قادراً على تجاوز الاغتيالات، مؤهَّباً على النهوض بعد كل ضربة، الشهادة هنا ليست نتيجةً بل درعٌ نفسيّ.
الشهادةُ امتدادٌ لكربلاء لا يمكن فهم الشهادة في إيران دون فهم ملحمة كربلاء، فالحسين في الوجدان الإيراني ليس شخصيةً تاريخية فقط، بل هو نموذجٌ وجوديٌّ ويعني أنه طالما الظلم موجودٌ فالمقاومة واجبة، وأن الشهادة شرفٌ وأن الدم ينتصر على السيف، هذا النموذج هو الذي يفسّر كل شيءٍ في إيران.
والخلاصة الأكيدة هي أن الشهادة في إيران ليست حدثاً، بل منظومةُ قيمٍ، ليست موتاً، بل حياة، ليست خسارةً، بل اكتمال، ليست نهايةً، بل بداية، ليست فرديةً، بل جماعية، ليست سياسيةً، بل روحية، ولهذا فإن الإيرانيَّ لا ينهارُ، ولا يرتجفُ، ولا يتشتت، لأن الشهادة عنده ليست مصيبةً بل معنى.
جوهرُ الشهادةِ في الوجدان الإيراني حتى لو غاب أعظمُ القادة، وحتى لو استهدفت يد العنف والإرهاب أعلى الشخصيات، فإن الإيرانيَّ لا يهتز، ولا ينهار، ولا يفقد بوصلته، وإن رحل رجلٌ مهما علا شأنه، يتقدّم فوراً من يحمل الراية من بعده، ليكمل الطريق بثباتٍ لا يعرف التراجع، في إيران، الشهادة ليست نهايةً، بل امتدادٌ للمسير، هي يقينٌ بأن الفكرة أكبر من الفرد، وأن الوطن لا يتوقف عند اسم، وأن الراية لا تسقط ما دام هناك من ينهض لحملها، الشعب الإيراني عصيٌّ على الكسر، لأنه شعبٌ تربّى على معنى الصمود، وعلى أن الكرامة لا تُشترى، وعلى أن الأمم الحيّة لا تُهزم بالاغتيال ولا بالتهديد، والأمة الإيرانية، بتاريخها العميق وجغرافيتها الشامخة، لا تُزَلزلها العواصف، بل تزيدها ثباتاً، هذا هو الدرس الذي يجهله من يظن أن القوة تُقاس بالضربة الأولى، فالضربة قد تُسقط فرداً، لكنها لا تُسقط أمةً تعرف طريقها، وتعرف معنى أن تبقى واقفةً كالأشجار مهما اشتدّ الظلام.
سلامٌ إلى روح شهيد الأمة الإيرانية التي تأبى إلا أن تقدم الشهداء والعظماء عبر تاريخها المجيد، وليهنأ بنيل الشهادة التي تمناها، آية الله العظمى علي خامنئيوكما أن الأشجارَ الباسقاتِ تموتُ في إيران واقفةً، علّم الإيرانيين جميعاً، ومن قبله أستاذه ورفيق دربه الإمام الخميني قُدّست روحه، أن الأمم لا تُختزلُ في الأشخاص، ولا يتوقف وجودها على قائدٍ ملهمٍ مهما علا شأنه، فإيران، في وجدان أبنائها، باقيةٌ ما بقيّ الزمان، وخالدةٌ بخلود تاريخٍ ضاربٍ في عمق حضارتها الفارسية، علّمهم هو ورفاق الثورة الإسلامية الأوائل أن المبدأ والمنتهى واحد، لا هزيمةٌ ما لم يكن هناك استسلام" إنك لن تُهزمَ حتى تستسلم" ومن هذا اليقين وُلد سرُّ الصمود الإيرانيُّ في مواجهة ضغوطٍ دوليةٍ هائلةٍ وصراعاتٍ إقليميةٍ معقّدة، صمودٌ يرى فيه الإيرانيون تعبيراً عن إرادةٍ وطنيةٍ لا تنكسر، مهما اشتدّت العواصف أو تعاظمت التحديات.
ماذا كانت ردة فعل القائد عندما هددته أمريكا وإسرائيل بالاغتيال والتصفيةردّةُ فعل القائد عندما هدّدته الولايات المتحدة وإسرائيل بالاغتيال هي ردةُ فعلٍ لابد أن يوثقها التاريخ لتخليد سماته الشخصية وملامح العظماءردّة فعل القائد على تهديدات الاغتيال كانت دائماً هادئةً، ثابتةً، ورافضةً لإظهار أيّ خوف، كان يقدّم نفسه باعتباره جزءاً من مشروعٍ أكبر من الشخص، ويكرّر أن" العدو يستطيع قتل الجسد، لكنه لا يستطيع قتل الفكرة"، كما كان يؤكدُ أن استشهاده لن يوقف مسار إيران، وأن الصراع مع الولايات المتحدة وإسرائيل" ليس صراعَ أشخاصٍ بل صراعُ إرادات".
كيف تعامل مع تهديدات الاغتيال؟ ، الهدوء العلني وعدم إظهار الانفعال، في كل خطابٍ كان يُسأل فيه عن التهديدات، كان يردّ بابتسامةٍ أو بعبارةٍ مقتضبةٍ مثل" نحن لا نخاف من الموت، ولا نخاف من الشهادة"، كان يتعمّد أن يُظهر أن التهديد لا يغيّر شيئاً في سلوكه أو جدول أعماله، تحويل التهديد إلى خطابٍ تعبوي، كان يقول إن التهديدات الأمريكية والإسرائيلية دليلٌ على" عجزهم عن مواجهة إيران سياسياً"، وإن اللجوء للاغتيال" اعترافٌ ضمنيٌّ بقوة المشروع الثوري الإيراني"، بهذا الأسلوب كان يحوّل التهديد إلى أداةِ تعبئةٍ داخلية، التأكيد على أن المشروع لا يتوقف على شخص، هذه كانت فكرته المركزية، وقد كرّرها عشرات المرات بقوله" إذا استشهدتُ اليوم، ستستمرّ الجمهورية الإسلامية غداً"، كان يريد أن يرسّخ أن النظام مؤسّسيٌّ وليس فردياً، وأن" الرهبر" ليس شخصاً بل موقعاً داخل منظومة، الاستناد إلى تجربة الخمينيّ، كان دائماً يذكّر بأن الخمينيّ نفسه كان مهدداً بالاغتيال، وأن الثورة لم تتوقف، بل اشتدّت بعد رحيله، بهذا كان يربط نفسه بسلسلةٍ تاريخيةٍ من" القادة الذين لا يخافون الموت"، رسالةُ الردع، الاغتيال لن يمرّ بلا ثمن، رغم هدوئه، كان يرسلُ رسائل واضحةً بأن أيَّ محاولةِ اغتيالٍ ستُواجَه بردٍّ" قاسٍ ومزلزل"، ليس من أجل الشخص، بل من أجل" هيبة الدولة"، هذه الرسالة كانت موجّهةً للولايات المتحدة وإسرائيل على حدٍ سواء.
" وعندما لوّحت واشنطن وتل أبيب بتهديداتِ الاغتيال، لم يتغيّر شيءٌ في ملامح القائد، لم يرفع صوته، لم يبدّل جدول أعماله، ولم يقدّم أيَّ إشارة خوف، كان يردّ دائماً العبارة نفسها" نحن لا نخافُ من الموت"، بالنسبة له، كان الاغتيال احتمالاً وارداً، لكنه لم يكن يوماً تهديداً قادراً على تغيير مسار دولةٍ أو إيقاف مشروعٍ، فالمبدأ الذي ورثه عن الخميني واضحٌ وصريح الأشخاص يرحلون، لكن الفكرة تبقى.
وكما سجّل التاريخ أن الشخصية الفارسية لا تهاب الموت، ولا ترتجف أمام أعنف تهديدات القوى الكبرى، ظلّ الشهيد، رضوان الله عليه، وفياً لهذا الإرث، فعلى الرغم من التحذيرات المتكررة، وعلى الرغم من الخطط المحكمة التي وضعتها الدولة لإخفائه وتأمينه، وإيران معروفةٌ بجبالها الشامخات، وتضاريسها شديدة الوعورة والصعوبة، أصرّ على البقاء في منزله المتواضع، المعروف موقعه، والمكشوفة حراسته، وحين اشتدّت التهديدات بالاغتيال، وقيل له إن بقاءه في هذا المكان مخاطرةٌ لا تُغتفر، كان جوابه ثابتاً لن أختبئ في حصنٍ لا يستطيع شعبي أن يحتمي بمثله، فإن لم يكن قادراً على توفير الأمان لكل الإيرانيين، فلن يقبل أن يوفّره لنفسه وحده، كان يرى أن القائد الحقيقي لا يبتعد عن الناس في لحظات الخطر، بل يقف بينهم، وبصدرٍ عارٍ من التحصين، ولم يكن ذلك موقف تحدٍّ عابر، بل قناعةٌ راسخةٌ عبّر عنها مراراً، " إذا متُّ، فخلفي ملايينٌ من الإيرانيين سيواصلون الطريق، ويحملون الراية، ويثبتون أن الفكرة لا تُغتال"، أما الشهادة، إن جاءت، فهي عنده وسامُ شرفٍ، لا على صدره وحده، بل على صدر أمةٍ تأبى الانحناء أو الانكسار.
هذا القائد الذي يراه كثيرون امتداداً لعظمة رموز إيران، لم يكن مجرد رجل دولةٍ، بل كان حضوراً إنسانياً طاغياً أينما حلّ، فعلى الرغم من حملات التشويه وقلب الحقائق التي خاضتها وسائل الإعلام العالمية ضده، بقيّ تأثيره في الشارع الإيراني ملموساً لا يُنكر، كان يكفي أن يُعلن عن نيّته إمامة صلاة الجمعة في المسجد الكبير بطهران، أو في أيّ مدينةٍ من مدن إيران العامرة، حتى تتحول الطرقات منذ ساعات الفجر الأولى إلى أنهارٍ بشريةٍ تتدفق نحو المكان، مناطقُ كاملةٌ تُغلق أمام حركة السيارات، والجموع تتسابق لتأمين موقعٍ قريبٍ يتيح لهم رؤية" الرهبر" عن قرب، وكأنهم يشهدون لحظةً تتجاوز السياسة إلى معنىً أعمق.
وبالنسبة لي كصحفيٍّ أجنبيٍّ، سنيّ المذهب، لا أنتمي إلى المدرسة الشيعية، كان لصوته وقعٌ خاص، كنت أعشق سماع الفارسية حين يتحدث بها، تلك اللغة العتيقة المصقولة، الواضحة، ذات الإيقاع الثابت المتألّق، لغةٌ تدخل الوجدان قبل أن تستقر في العقل، أما حديثه بالعربية الفصحى، فكان طرباً خالصاً لم أعهده من أيّ زعيم دينيٍّ أو سياسيٍّ عربي، كان يجيد الفصحى بتمكّنٍ، ويتلو القرآن بها بصفاءٍ يجعل المستمع يشعر وكأن التلاوة تنحدر من مقامٍ سماوي، كان لصوته تأثيرٌ يشبه السحر، يغسل الروح بنبرة إيمانٍ عميق، ويمنح الكلمات حياةً تتجاوز حدود اللغة.
صادف أن مرّ موكبُه أمامي ذات يوم، ولم أكن مستعداً لما رأيت، توقّف المرور بشكلٍ طبيعيٍّ عند إشارةٍ حمراء، وكنت أول المتوقّفين، مرّت دراجةٌ ناريةٌ أمامي، لم تلفت نظري، بدت كإحدى دراجات شرطة المرور في العاصمة، لا أكثر، لكن بعد لحظاتٍ، بدأت أتنبه للمشهد، سيارةُ حراسةٍ قديمةٍ، يجلس فيها رجلان فقط، تتقدّم ببطءٍ، وخلفها مباشرةً سيارة ركوبٍ جماعيٍّ" ميكروباص"، لا شيء فيها يوحي بأنها تحمل شخصيةً من الصف الأول، نظرتُ داخلها، فإذا بالمرشد الأعلى للثورة الإسلامية يجلس هناك، ببساطةٍ لا تُصدّق، تحيطه هالةٌ من تواضعٍ وزهدٍ، لا من مظاهر السلطة.
رجلٌ يقود دولةً غنيةً، وقادرٌ على أن يستقلَ أحدث سيارات العالم، يمرّ أمامي في موكبٍ لا يختلف كثيراً عن مواكب الناس العاديين، خلفه سيارة حراسةٍ أخرى مطابقةٌ للأولى، وفقط، لا ضجيج، لا صفارات، لا عربات مصفّحة، لا استعراض قوة، لحظةٌ مرّت أمامي، وتركتني في حالة ذهولٍ حقيقي، قلت لنفسي، أهذا هو قائد إيران؟ ، أبهذه البساطة يتحرك؟ ، كان المشهد أكبر من مجرد موكبٍ، كان درساً في الزهد السياسي، وفي معنى أن يكون القائد قريباً من الناس، لا محاطاً بجدرانٍ فولاذية، في تلك اللحظة، قلت لنفسي هذه سمةالعظماء، الذين تشبه خطواتهم خطوات الأنبياء، ويشبه زهدهم زهد عليّ، مثلهم الأعلى في الحياة، ويشبه ثباتهم ثبات الحسين رمز التضحية، وشهيد الزمن والتاريخ في المذهب الشيعي، عليهم أجمعين السلام.
هناك مشهدٌ آخرُ ظلّ عالقاً في ذاكرتي، وهو لمقطع فيديو يتداوله الإيرانيون بكثيرٍ من الفخر، مقطعٌ يصوّر مرور القائد وسط جموعٍ من المواطنين الذين اصطفّوا لتحيته بعد حضوره لمناسبةٍ دينية، وبين الوجوه المتزاحمة، رفعت إحدى السيدات يدها بإشارةٍ واضحةٍ، تطلب منه أن يعطيّها الخاتم الفضي الذي كان يرتديه، توقّف فجأةً، لم يتردّد، خلع الخاتم من إصبعه، وسلّمه لأحد مرافقيه، وأشار إليه أن يوصله إليها، وحين وصلها الخاتم، كادت أن تُغشى عليها من شدّة الفرح، لم يكن الخاتم هو القيمة، بل اللحظة، لحظةٌ شعر فيها الناسُ أن القائد يراهم، يسمعهم، ويستجيب لهم دون حواجز.
ومهما سردت من أحداثٍ ومواقف عشتها بنفسي، يكفي أن أقول إنني رأيت كيف كان يتعامل مع الأطفال في أيّ مناسبةٍ يحضرها، كان يقترب منهم كأبٍ حنون، يربّت على أكتافهم، ويبتسم لهم، وكأنه يرى فيهم مستقبل الأمة الإيرانية التي آمن بأنها ستكمل الطريق من بعده، أما في مناسبات تكريم قرّاء القرآن الكريم، والتي احتلت مساحةً كبيرةً من جدول أعماله السنوي، ، فكانت إيماءاته وحدها كافيةً لتشعل حماستهم، كان اهتمامه الشخصي بهم يمنحهم طاقةً تجعلهم يحلّقون في التجويد والإخلاص إلى عنان السماء، كنتُ أرى ذلك بعيني، وأدرك أن هذا الحب لم يكن مصطنعاً، ولا مصنوعاً في غرف الإعلام، بل حبٌّ حقيقيٌّ نابعٌ من علاقةٍ متبادلةٍ بين قائدٍ وشعب.
وعلى مدى سنواتٍ وسنواتٍ عشتها في إيران، تأكدت أن الجماهير التي تخرج لاستقباله في كل محافظات الجمهورية الإسلامية، لم تكن تُستدعى، ولم تكن تُوجَّه، كانوا يخرجون لأنهم يريدون ذلك، لأنهم يرون فيه رمزاً، ولأن تقديرهم له كان صادقاً، نابضاً من قلوبهم قبل أن يظهر في الشوارع التي كانت تمتلئ بالجموع الذين هبوا لاستقبال القيمة العليا، والضيف العزيز، وصاحب الحضور النوراني.
وكما أن الأشجارَ الباسقاتِ تموتُ واقفةًفسلامٌ إلى روح الشهيد القائد، السيد علي الخامنئي، الذي ارتقى من جسدٍ فانٍ إلى معنىً خالد، ومن فردٍ خدم وطنه بإخلاصٍ وتفانٍّ إلى أمةٍ لا تُهزم، سلامٌ إلى منْ حمل راية الصمود، فأورثها لشعبٍ يرى في الشهادة بوابةً للخلود، وفي الفداء طريقاً للعزة والكرامة، رحل الرجل، لكن الفكرة بقيت، وتحول إلى رمزٍ يضيءُ جداريات إيران، من الشهيد الخالد الحسين إلى جميع الشهداء المعاصرين، ليؤكد أن الموتَ حين يكون شرفاً، يفقد قدرته على التخويف، ويصبح وعداً بالخلود.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك