إن القراءة المتعمقة لما يجرى فى الجنوب اللبنانى، تكشف لنا أننا لا نواجه جولة قتال عابرة، بل نحن أمام صراع إستراتيجي مفتوح يقف على حافة تحول بنيوي خطير،واشنطن تقرأ جبهة جنوب لبنان بوصفها أعقد معضلة عسكرية مواجهة لإسرائيل منذ عقود،فحزب الله لم يعد مجرد تنظيم مسلح محلي، بل تحول إلى جيش هجين يمتلك ترسانة صاروخية تقدرها التقارير بأكثر من 150 ألف صاروخ، تشمل صواريخ دقيقة ومسيرات إنقضاضية قادرة على إختراق منظومات الدفاع الإسرائيلي،لذا ترى واشنطن أن خيار الحرب الشاملة يمثل مقامرة غير مأمونة العواقب، فرغم التفوق الجوي الإسرائيلي، إلا أن الكلفة التدميرية التي سيتعرض لها العمق الإسرائيلي، وبخاصة البنية التحتية للطاقة والموانئ، تجعل من قرار الحرب قراراً إنتحارياً إذا لم يضمن تحقيق حسم مطلق وسريع، وهو أمر مشكوك فية،فالصراع في الجنوب اللبناني لم يعد مرتبطاً فقط بـ جبهة إسناد لقطاع غزة، بل تحول إلى معركة فرض قواعد إشتباك جديدة،تدفع إسرائيل، بدعم غربي، نحو تطبيق القرار الأممي 1701 بشكل مشدد، بما يضمن إبعاد قوات النخبة" فرقة الرضوان" إلى شمال نهر الليطاني، لإعادة المستوطنين إلى شمال فلسطين المحتلة،لكن محاولة فرض هذا الواقع بالقوة العسكرية دون تسوية سياسية شاملة سيؤدي إلى حرب إقليمية كبرى تتداخل فيها خيوط إقليمية تبدأ من طهران ولا تنتهي في عواصم القرار الدولي،لكن مجرم الحرب رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو يجد في إستمرار التوتر أو التصعيد في الجنوب اللبناني طوق نجاة سياسي، في حين أن الإدارة الأمريكية تبذل جهوداً دبلوماسية حثيثة لمنع هذا الإنفجار الكبير، خشية أن يجر الولايات المتحدة إلى مستنقع حرب جديدة في الشرق الأوسط في توقيت دولي حرج ومثقل بالملفات الإستراتيجية الأخرى.
إن مستقبل الجنوب اللبناني يتأرجح بين ثلاثة سيناريوهاتسيناريو الحرب الشاملة والمفتوحةوهو السيناريو الكابوس، حيث تتسع رقعة القصف لتشمل العاصمتين بيروت وتل أبيب، وتتحول المعركة إلى مواجهة إقليمية تدخل فيها أطراف محور المقاومة بشكل مباشر، هذا السيناريو، وإن كان مستبعداً بنسبة معينة لتجنب التكلفة الكارثية، إلا أن إحتمالات حدوثه تظل قائمة نتيجة أي خطأ في الحسابات أو تقدير موقف خاطئ من أحد الطرفين على الأرض.
سيناريو التسوية الدبلوماسية القيصرية،وهو السيناريو الذي تفضله واشنطن والعواصم الأوروبية.
يقوم هذا التصور على صياغة إتفاق سياسي-أمني جديد، يتضمن ترتيبات حدودية تضمن تراجع المظاهر المسلحة لحزب الله جنوب الليطاني، مقابل تعزيز دور الجيش اللبناني وقوات اليونيفيل، وحسم النقاط الحدودية المتنازع عليها، لكن هذا السيناريو مشروط تاريخياً وعملياً بوقف إطلاق النار في غزة أولاً،أما سيناريو إستمرار الإستنزاف المنضبط،وهو الواقع الحالي الممتد، حيث تستمر الضربات المتبادلة ضمن حدود جغرافية وقواعد إشتباك مرنة، تتسع وتضيق دون أن تتجاوز الخطوط الحمراء التي تؤدي إلى الحرب الشاملة، إنه سيناريو اللاحرب واللاسلم اللاهب، حيث يعيش الجنوب اللبناني تحت ضغط دائم، وتتحول أرضه إلى ساحة لتوجيه الرسائل السياسية الساخنة بين القوى الكبرى والإقليمية،الجنوب اللبناني ليس مجرد جبهة قتال، بل هو الترمومترالذي يقيس درجة حرارة الصراع الدولي والإقليمي في الشرق الأوسط،والخيار العسكري الإسرائيلي في لبنان قد وصل إلى حائط مسدود بفعل توازن الردع، وبالتالي، فإن الحلول لاتوجد فقط في ثكنات الجيش الإسرائيلي أو في أنفاق جنوب لبنان، بل توجد في مطبخ التسويات الدولي الذي يبحث عن صيغة تضمن أمن الحدود دون الإنزلاق إلى حرب تحرق الأخضر واليابس.
الجغرافيا في الجنوب اللبناني تبدو اليوم متعبة، ومثقلة بالتاريخ، لكنها تظل عصية على الكسر، وتؤكد لكل صناع القرار في واشنطن وتل أبيب وعواصم الغرب، أن أي معادلة أمنية لا تأخذ في الحسبان الحقائق على الأرض، ولغة التاريخ، وحق الشعوب في الدفاع عن أرضها، ستكون مجرد حبر على ورق، ينقشع مع أول طلقة رصاص.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك