الوصال ــ رأت المكرمة الدكتورة عائشة الدرمكي أن زيارة حضرة صاحب الجلالة السُّلطان هيثم بن طارق المعظم ـ حفظه الله ورعاه ـ إلى منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة «اليونسكو» تمثل زيارة تاريخية ذات دلالات ثقافية وحضارية عميقة، لأنها تعكس موقع سلطنة عُمان في المشهد الثقافي العالمي، وتبرز في الوقت نفسه الدور الذي تضطلع به في ترسيخ مفاهيم السلام والتعايش والاستقرار عبر المنصات الدولية.
وقالت: إن هذه الزيارة ترتبط كذلك بالعمق التاريخي للعلاقة بين سلطنة عُمان والمنظمة، وبما تحمله من رسائل تؤكد حضور الصوت العُماني في القضايا الثقافية والإنسانية على المستوى العالمي.
وأضافت المكرمة الدرمكي خلال حديثها في برنامج «ساعة الظهيرة» أن الزيارة رسخت جملة من المفاهيم التي تقوم عليها السياسة العُمانية، وفي مقدمتها السلام والتعايش والاستقرار، وهي المرتكزات نفسها التي تمثل أيضًا جزءًا من رسالة «اليونسكو» وأدوارها الدولية.
وأشارت إلى أن هذا الالتقاء بين ما تدعو إليه المنظمة وما تنهض به سلطنة عُمان في سياساتها ومبادراتها الخارجية، يمنح الزيارة بعدًا حضاريًّا يتجاوز الطابع البروتوكولي، ويعكس انسجامًا بين الرؤية العُمانية والعمل الدولي في مجالات الثقافة والمعرفة والتنمية.
وفي حديثها عن جائزة اليونسكو السلطان هيثم للتراث الثقافي غير المادي، أوضحت أن لهذه الجائزة أهمية كبرى، أولًا لما يحمله اسم جلالة السلطان من رمزية تمثل سلطنة عُمان وهي تقدم هذه الجائزة إلى العالم، وثانيًا لما تعكسه من اهتمام عُماني بصون التراث الثقافي غير المادي.
وأضافت أن أهمية الجائزة لا تتوقف عند حدود التوثيق أو الحماية، وإنما تمتد إلى تعزيز التراث وإبرازه ونقله وتعليمه، وربطه كذلك بالاستثمار، والإحياء، وإدارة المخاطر، وإدماجه في التعليم، والبحوث والدراسات، وفي مختلف المجالات التنموية.
وأكدت عائشة الدرمكي أن التراث الثقافي غير المادي لم يعد شأنًا ثقافيًّا معزولًا، إذ أصبح جزءًا من المنظومة التنموية الشاملة، لما له من صلة بالإنسان، والأرض، والتنوع الثقافي والبيولوجي، والصناعات الحرفية، والصناعات الإبداعية، وسوق العمل، ومجالات التنمية الاقتصادية عمومًا.
وأضافت أن الجائزة تأتي من هذا المنطلق، بوصفها دعوة إلى صون التراث وربطه بأهداف التنمية المستدامة، وإبراز دوره في بناء المجتمعات وصيانة ذاكرتها الثقافية وتعزيز استقرارها.
وأشارت الدرمكي إلى أن الجائزة تمثل كذلك صوت سلطنة عُمان في الدعوة إلى السلام والتعايش، لأن الثقافة، في جوهرها، من أهم الأصوات التي تناهض الصراعات وتدعو إلى حماية تراث الأمم في ظل السلام.
وأضافت أن حماية التراث لا يمكن أن تتحقق في أجواء الحروب والنزاعات، بل تحتاج إلى بيئة يسودها الاستقرار والحوار والتفاهم، ولذلك فإن إطلاق هذه الجائزة من سلطنة عُمان إلى العالم يحمل في مضمونه رسالة ثقافية وإنسانية واضحة تنسجم مع النهج العُماني المعروف.
وفي ما يتعلق بكيفية تعزيز التراث الثقافي غير المادي لحضور سلطنة عُمان عالميًّا، أوضحت أن هذا التراث يمثل أحد أبرز التعبيرات عن رسالة سلطنة عُمان للعالم، لما تحمله من موثوقية ودعوة دائمة إلى السلام والتعايش.
وأضافت أن سلطنة عُمان عرفت أيضًا بحرصها على التوازن بين حماية تراثها الثقافي وأصولها الحضارية من جهة، والانفتاح على العالم من جهة أخرى، وهو ما يجعل هذه الجائزة وهذه المبادرات الثقافية امتدادًا طبيعيًّا لهذا التوجه، ورسالةً تدعو الأمم الأخرى بدورها إلى حماية تراثها وهوياتها الثقافية.
وعن أهمية التعاون بين سلطنة عُمان ومنظمة اليونسكو، أوضحت أن المنظمة، بحكم اختصاصها في مجالات الثقافة والتربية والعلوم، تمثل شريكًا طبيعيًّا لسلطنة عُمان، نظرًا لوجود مرتكزات مشتركة بين الجانبين، تتمثل في قيم التسامح، والتعايش، والتنمية المستدامة، والحفاظ على التراث، وترسيخ الحوار، وصون كرامة الإنسان.
وأضافت أن هذه العلاقة يمكن وصفها بالشراكة الاستراتيجية، لأنها تتجسد من خلال مجموعة من البرامج والقطاعات والمبادرات التي تعمل فيها سلطنة عُمان مع المنظمة بصورة متواصلة.
وأكدت الدرمكي أن للشباب دورًا محوريًّا في صون التراث الثقافي العُماني غير المادي، لأن الصون لا يتحقق فقط بجمع التراث وتوثيقه، وإنما بإحيائه وإدخاله في الحياة المعاصرة.
وأضافت أن كثيرًا من الصناعات الإبداعية اليوم تقوم على التراث الثقافي، وأن الشباب يسهمون بصورة لافتة في تحويل هذا التراث إلى أفكار ومشروعات ومبادرات حية في مجالات متعددة، من بينها الإبداع الرقمي، والصناعات الثقافية، والسينما، والمسرح، والموسيقى، والحرف، والزراعة، وغيرها.
وبيّنت الدرمكي أن هذا التفاعل الشبابي مع التراث هو ما يجعل منه تراثًا حيًّا، لا مجرد مادة موثقة أو موروث محفوظ في الذاكرة.
وأشارت إلى أن من أبرز صور هذا الإحياء ما يقدمه الشباب اليوم من تطبيقات رقمية ومبادرات ثقافية قائمة على اللهجات العُمانية، والحرف، والأطعمة الشعبية، والبرامج المرتبطة بالموروث المحلي، وهو ما يعكس قدرة الجيل الجديد على إعادة تقديم التراث بأساليب مبتكرة تحافظ عليه وتمنحه حضورًا معاصرًا.
وختمت المكرمة عائشة الدرمكي حديثها بالتأكيد على أن ما تقوم به سلطنة عُمان عبر اليونسكو، سواء من خلال الجوائز أو المبادرات أو الشراكات، لا يقتصر على تعزيز حضورها الثقافي عالميًّا، وإنما يندرج ضمن رسالة أوسع تقوم على حماية التراث، وترسيخ قيم السلام والتعايش، والإسهام في بناء عالم أكثر وعيًا بأهمية الثقافة في التنمية والاستقرار والكرامة الإنسانية.
لمتابعة حلقة «ساعة الظهيرة» عبر الرابط التالي:

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك