عمان- بعد أن تحول عدد من منصات التواصل الاجتماعي إلى بيئة “مشبوهة” تهدد السلامة العقلية والنفسية للمراهقين والأطفال، شرعت مجموعة من الدول حول العالم في فرض قيود صارمة على مستخدمي هذه المنصات من الفئات الأقل عمرا.
اضافة اعلانوتوجهت دول من بينها الأردن لمواجهة “تسونامي” من الأزمات النفسية والسلوكية التي تضرب جيل الشباب وسط ما تعيشه وسائل التواصل الاجتماعي من تنمر إلكتروني وإدمان رقمي واستغلال وتعرض لمحتوى ضار الذي يهدد السلامة العقلية للمراهقين والأطفال.
ويعكس هذا التحرك أن الأمر لم يعد مجرد نصائح تربوية، بل تحول إلى قوانين ملزمة وقاسية تسعى إلى فرض قيود عمرية على استخدام السوشال ميديا بهدف حماية الجيل الجديد من المخاطر النفسية والاجتماعية.
بيد أن الخبراء يرون أن حظر وسائل التواصل الاجتماعي على الأطفال ليس حلاً كافياً بمفرده، فهو يحمل مكاسب ومخاطر في آنٍ واحد؛ فمن ناحية، يساهم المنع في تقليل التعرض المبكر للمحتوى غير الملائم ويمنح الأطفال فرصة أكبر للعيش في العالم الحقيقي وتطوير مهاراتهم الإنسانية المباشرة.
ولكن من ناحية أخرى، يؤدي المنع المطلق إلى نتائج عكسية، فالأطفال يمتلكون الذكاء الكافي للالتفاف على القيود وانتحال شخصيات وهمية، أو الانتقال إلى منصات بديلة غامضة وأقل رقابة، مما يضاعف المخاطر العميقة بدلاً من علاجها ويوجِد فجوة رقمية جديدة تعزلهم عن عصرهم.
ولحماية الجيل الجديد من مخاطر السوشال ميديا من جهة والاستفادة من مزاياها الإيجابية من جهة أخرى، طرح الخبراء مقاربة مرنة ومتدرجة تقوم على التوجيه لا العزل، لحماية الأجيال القادمة وإعدادهم لإدارة أمنهم الرقمي بأنفسهم، إذ يتطلب هذا المسار حلولاً جذرية تتجاوز مجرد الحظر؛ تبدأ من رقابة أسرية واعية قائمة على الحوار، وتثقيف رقمي وتربوي يبني وعي الطفل، إلى جانب فرض آليات تشريعية وتنظيمية صارمة للتحقق الفعلي من الأعمار.
والأهم من ذلك هو تفعيل المساءلة القانونية لشركات التكنولوجيا لإجبارها على توفير بيئة رقمية آمنة وإنسانية، بدلاً من إلقاء كامل العبء على كاهل الأهل وحدهم.
ومن بين الدول التي أخذت زمام المبادرة، فتحت أستراليا العام الماضي الباب على مصراعيه لهذه الحقبة الجديدة، بعد أن دخلت التاريخ كأول دولة تطبق حظراً فعلياً شاملاً على استخدام وسائل التواصل لمن هم دون سن الـ16 عاماً، وسارت بريطانيا مؤخراً على الخطى نفسها بإعلانها العزم على تطبيق قيود مماثلة، كما أعلنت عدة دول خططًا مشابهة أو بدأت بالفعل في إعداد تشريعات جديدة ومنها الإمارات، النمسا، كندا، الدنمارك، فرنسا، ألمانيا، اليونان، إندونيسيا، ماليزيا، بولندا، سلوفينيا، إسبانيا وتركيا، مع وجود تباين في التعامل الدولي مع هذه القضية؛ إذ اتجهت بعض الدول نحو “المنع الكلي” لوسائل التواصل الاجتماعي لمن هم دون سن معينة، بينما فضّلت دول أخرى التركيز على “الفلترة النوعية” عبر حجب محتويات العنف والإباحية فقط دون تقييد الوصول إلى المنصات بشكل كامل.
وفي الأردن كان مصدر حكومي مطلع في قطاع الاقتصاد الرقمي، أكد لـ” الغد” مؤخرا أن الحكومة تدرس جديا فرض قيود لتحديد أعمار مستخدمي منصات التواصل الاجتماعي من الفئات العمرية الصغيرة، في إطار توجه لحماية جيل الشباب من أضرار العالم الرقمي النفسية والاجتماعية، حيث بين المصدر أن هيئة تنظيم قطاع الاتصالات أنهت دراسة مقارنة تفصيلية شملت تجارب دولية وإقليمية، للاطلاع على أفضل الممارسات المتبعة في حماية الفضاء الرقمي ومنصات التواصل الاجتماعي المختلفة، مع سعي الهيئة بالتنسيق مع الشركات العالمية المشرفة على منصات التواصل الاجتماعي، إلى التوصل لحلول تقنية تتيح حجب الإعلانات غير الأخلاقية أو الاحتيالية التي تظهر داخل تطبيقات التواصل محليا.
الخبيرة في مجال حقوق الإنسان د.
نهلا عبد القادر المومني ترى أن التوجه نحو حظر وسائل السوشال ميديا من قبل مجموعة من الدول يتوافق والمعايير الدولية لحقوق الإنسان، وبشكل خاص اتفاقية حقوق الطفل الدولية التي أكدت ضرورة اتخاذ الدول الإجراءات الكفيلة بحماية حق الأطفال في النماء الجسدي والنفسي، وحمايتهم في الوقت ذاته من الاستغلال بكافة أشكاله، بما في ذلك أشكال الاستغلال في الفضاء الرقمي.
وقالت المومني: “هذا التوجه أيضا يتوافق لدى الدول مع العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية الذي أجاز فرض قيود على حرية التعبير بما في ذلك في الفضاء الرقمي إذا كان هناك ضرر يلحق النظام العام والأخلاق العامة ويؤذي فئات معينة كالأطفال”.
وأشارت إلى أنه في إطار المنظومة القانونية الأردنية، فقد أكد قانون الطفل الأردني ضرورة حماية الأطفال من جميع أشكال الاستغلال والحفاظ على صحتهم النفسية والجسدية، والأردن كذلك صادق على اتفاقية حقوق الطفل.
وبينت أن التوجه المتزايد من الدول نحو حظر السوشال ميديا لهذه الفئة يعد إنفاذا لالتزاماتها الدولية خاصة في ظل الدراسات المتزايدة وواقع الحال الذي يثبت آثارها السلبية على قدرات الطفل الذهنية والعقلية، وعلى صحته النفسية والاجتماعية، وما ينتج عنها من مخاطر الاستغلال لهم بشتى أنواعه وتعرضهم في أحيان أخرى للتنمر أو الابتزاز وغير ذلك الكثير من الانتهاكات.
ويرى المستشار في مجال بناء الهوية الرقمية خالد الأحمد أن توجهات الدول نحو حظر استخدام وسائل التواصل الاجتماعي لمن هم دون سن السادسة عشرة يثير نقاشاً مهماً يتجاوز مسألة المنع بحد ذاتها إلى سؤال أكثر عمقاً: من يتحمل مسؤولية حماية أطفالنا في العالم الرقمي؟وقال الأحمد “برأيي، الخطأ الأكبر هو البحث عن طرف واحد لتحميله المسؤولية كاملة، فالأهل مسؤولون عن التوجيه والمتابعة، والمدرسة مسؤولة عن بناء الوعي الرقمي، والحكومة مسؤولة عن وضع الأطر التشريعية والتنظيمية، لكن العبء الأكبر يجب أن يقع على المنصات التقنية نفسها”.
وأضاف الأحمد: “لقد أثبتت التجربة خلال السنوات الماضية أن الاعتماد على التصريح الذاتي بالعمر لم يكن فعالاً، فملايين الأطفال حول العالم تمكنوا بسهولة من إنشاء حسابات عبر تغيير تاريخ ميلادهم ببضع نقرات فقط وإذا كانت المنصات تعلم أن هذه الثغرة موجودة منذ سنوات، فمن الطبيعي أن يُطرح السؤال حول مدى جديتها في حماية القاصرين”.
ويرى الأحمد أن الحل لا يكمن في بناء أنظمة رقابية تمس خصوصية الجميع أو تلغي حق الأفراد في استخدام الإنترنت بحرية، بل في تحميل المنصات مسؤولية أكبر لتطوير أدوات تحقق عمر أكثر فعالية، وتطبيق معايير حماية خاصة بالقاصرين، وإعادة تصميم بعض الخوارزميات التي أثبتت الدراسات أنها قد تدفع الأطفال نحو الإدمان أو التعرض لمحتوى غير مناسب.
وأشار إلى أنه رغم اختلاف النماذج القانونية في تحديد قيود على استخدام الصغار للسوشال ميديا من دولة إلى أخرى، إلا أن القاسم المشترك بينها يتمثل في الانتقال التدريجي من تحميل المسؤولية للأفراد والأسر فقط إلى تحميل المنصات الرقمية نفسها مسؤولية أكبر عن تصميم منتجاتها وآليات التحقق من أعمار المستخدمين.
وقال الأحمد: “التجربة الأسترالية تقدم مثالاً لافتاً في هذا السياق، حيث اتجهت التشريعات إلى مساءلة المنصات وفرض عقوبات عليها عند الإخفاق في تطبيق ضوابط التحقق والحماية، وهذا توجه يبدو أكثر واقعية من محاولة مراقبة ملايين الأسر أو تحميل الأطفال مسؤولية لا تتناسب مع أعمارهم”.
وأضاف “لكن يبقى سؤال مهم بالنسبة لدولنا: هل تستطيع دولة منفردة أن تفرض شروطها على شركات تقنية عالمية تتجاوز قيمتها السوقية اقتصادات دول بأكملها؟ ربما تكمن الإجابة في العمل الجماعي، فكما نجح الاتحاد الأوروبي في فرض معايير أكثر صرامة على شركات التكنولوجيا بفضل قوة السوق المشتركة.
قد تحتاج الدول العربية إلى قدر أكبر من التنسيق والتعاون إذا أرادت أن يكون لها تأثير حقيقي في هذا الملف”.
ولخص قائلا: “في النهاية، لا أعتقد أن القضية تتعلق بمنع الأطفال من التكنولوجيا، فالتكنولوجيا أصبحت جزءاً من الحياة والتعليم والعمل والتواصل.
القضية الحقيقية هي كيف نبني بيئة رقمية أكثر أماناً وإنسانية للأجيال القادمة.
وإذا كنا جادين في ذلك، فعلينا أن ننتقل من الاكتفاء بالنوايا الحسنة إلى مساءلة الجهات التي تمتلك البيانات والتقنيات والقدرة الفعلية على التأثير، وهي المنصات الرقمية الكبرى”.
وقال المستشار في مجال الإعلام الرقمي إبراهيم الهندي: “القرار الذي اتخذته بعض الدول حول حظر الإنترنت عن فئات عمرية محددة يعكس قلقًا مشروعًا تجاه الصحة النفسية، والإدمان الرقمي، والمحتوى غير المناسب”.
وأضاف: “ لكن السؤال الأهم هل الحظر وحده هو الحل؟ فقد يحد من الاستخدام لفترة، لكنه لن يعالج أصل المشكلة، فقد أصبح تجاوز القيود التقنية أسهل من أي وقت مضى، واستخدام شبكات خاصة أو تغيير إعدادات العمر أو الاستعانة بتطبيقات مختلفة، يستطيع من خلاله اليافعين الوصول إلى المنصات رغم وجود الحظر، وهذا يعني أن الاعتماد على المنع وحده قد يحقق التزامًا شكليًا، لكنه لا يبني وعيًا حقيقيًا ولا يعزز القدرة على اتخاذ قرارات آمنة عند استخدام التقنية”.
وقال الهندي: “ من وجهة نظري، نحن بحاجة إلى الانتقال من ثقافة المنع إلى ثقافة التمكين، فالاستثمار الحقيقي يجب أن يكون في التثقيف الرقمي، وتعليم الأبناء مهارات الاستخدام الواعي والآمن، وكيفية حماية بياناتهم، والتعامل مع المحتوى المضلل، وإدارة وقتهم على المنصات، بدلاً من الاكتفاء بإغلاق الأبواب أمامهم”.
وأضاف: “ إذا اتجه الأردن إلى هذا المسار، فمن المهم أن يكون جزءًا من إستراتيجية وطنية متكاملة تشمل الأسرة والمدرسة والمنصات الرقمية والجهات الحكومية، بحيث يكون الحظر - إن تم تطبيقه- إجراءً داعمًا وليس الحل الوحيد، فالتكنولوجيا ستستمر في التطور، والقيود يمكن تجاوزها، أما الوعي فهو الحماية الأكثر استدامة، وهو الذي سيصنع جيلاً قادرًا على استخدام وسائل التواصل الاجتماعي بمسؤولية وأمان”.
من جانبه، قال الخبير في مجال التقنية والاتصالات وصفي الصفدي “في البداية، عندما ظهرت السوشال ميديا، تعاملنا معها كمساحة ترفيه وتواصل بريئة لكن مع مرور الوقت، اكتشفنا أن هذه المنصات لم تُصمَّم أساسا لحماية الطفل، بل لجذب الانتباه، وإبقائه أطول فترة ممكنة، ودفعه للتفاعل المستمر دون توقف، وهنا بدأت المشكلة.
واليوم، الوعي ارتفع لأن الآثار أصبحت واضحة أمام الجميع، أطفال يقضون ساعات طويلة أمام الشاشات، تأثر في التركيز والنوم، ضغط نفسي، مقارنة دائمة بالآخرين، وتنمر رقمي لا يراه الأهل ولا المدرسة.
والأخطر من ذلك أن بعض المحتوى، خاصة ما يُقدَّم على شكل تحديات أو ترندات، قد يدفع الصغار إلى سلوكيات خطرة وهم لا يملكون النضج الكافي لتمييز العواقب”.
وأضاف: “ لهذا بدأت الدول تتحرك، ليس لأنها تريد الحظر لمجرد المنع، بل لأنها أدركت أن ترك الأطفال وحدهم في هذا الفضاء الرقمي المفتوح يشبه تركهم في شارع بلا قوانين ولا قيود ولا تشريعات ولا رقابة ولا إشارات أخلاقية تحول دون وقعوهم في مشاكل عقيمة وإدمان رقمي”.
بيد أن الصفدي طرح تساؤلا: “ هل الحظر هو الحل؟ ” مجيبا على هذا التساؤل بأن الحظر وحده ليس كافيا.
وأوضح الصفدي قائلا: “ نعم، للحظر بعض الإيجابيات وهو قد يقلل من التعرض المبكر لمحتوى غير مناسب، وقد يمنح الأطفال وقتا أطول للعيش في العالم الحقيقي، للتعلم، للعب، وللتواصل الإنساني المباشر”.
لكنه في المقابل، يحمل سلبيات واضحة، فالأطفال أذكى مما نتصور، وغالبا سيبحثون عن طرق التفاف، أو ينتقلون إلى منصات أقل شهرة وأقل رقابة، مما قد يضعهم في خطر أكبر”.
وأكد الصفدي أن الحل الأقرب للمنطق ليس أبيض أو أسود وليس منعا كاملا، ولا فتحا مطلقا، وأن الحل الحقيقي هو في المقاربة المتوازنة: رقابة أسرية واعية، لا تقوم على التجسس بل على الحوار، تثقيف رقمي للطفل، حتى يفهم ما الذي يراه، وكيف يرفض ما يؤذيه، اشتراط تحقق حقيقي من العمر، وليس مجرد ضغطة زر تكذب فيها المنصة والطفل معا، ومساءلة حقيقية لشركات التكنولوجيا، لأن المسؤولية لا يمكن أن تبقى فقط على الأهل والدولة بينما المنصات تجني الأرباح.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك