دائماً ما تتعامل الدول الطامحة التى تتبنى مشروعات أيديولوجية مع الاتفاقيات الإقليمية أو الدولية بوصفها أدوات مرحلية بعيداً عن الالتزامات الاستراتيجية، وعادة ما تهرول إلى توقيع الاتفاقيات حين تُقيد قدرتها على التمدد، وتتجاهلها حين تسمح بذلك موازين القوى.
ما يصدر اليوم من إشارات إيرانية بحسن النية تجاه دول الجوار العربى تزامناً مع دعاوى التطبيع الإسرائيلى ليس بعيداً عن هذا النهج، فالأوضاع الراهنة تُلقى بظلالها على الموقف، وتجعل الوعود المقدََّمة فى هذه المرحلة أشبه بمناورة دبلوماسية هدفها تخفيف الضغط الخارجى دون تحول حقيقى فى الحسابات الجيوسياسية، خاصةً بعد أن توغل الاحتلال فى الأراضى العربية وتحول مضيق هرمز إلى ورقة إيرانية اقتصادية وسياسية رابحة، وهو ما يستدعى تحركاً عربياً عاجلاً لخلق واقع جغرافى أمنى جديد يمثل مصدراً للحماية وورقة ضغط ونفوذ تستخدمها وقت الحاجة.
تشكيل هذا الواقع الأمنى الجديد يجب ألا يُبن فى غرف المفاوضات السرية وإنما يتطلب إرادة جماعية مشتركة تعيد صياغة الجغرافيا العربية وتضع أطراً جديدة للتعاون الاقتصادى والمعلوماتى المتجاوز لحدود الجغرافيا التقليدية، بهدف التغلب على تداعيات إرث المشروعات الاستعمارية التى قسمت ظهر الأمة العربية وفرقت شملها، فمنذ عام 1948 خلق الوجود الإسرائيلى فاصلاً جغرافياً بين الكتلتين العربيتين فى آسيا وأفريقيا، ومن يومها تحولت الجغرافيا فى المنطقة إلى أداة سياسية صامتة خلفت تداعيات تتخطى الحدود الإدارية وطالت معادلات الأمن والسياسة، حيث حال هذا الفاصل البرى بين المشرق والمغرب العربى وظل الاتصال الجغرافى المباشر بين الكتلتين محجوباً لعقود طويلة كنتيجة مباشرة لمشروع جيوسياسى أعاد تشكيل موازين المنطقة بما يتوافق مع تطلعات القوى الإمبريالية، ومن ثم فإن ما يُطرح اليوم من نظريات حول إعادة تشكيل الجغرافيا العربية بما يتوافق مع مقدرات الأمن القومى، يأتى نتيجة حالة عدم الاستقرار الناجمة عن مخططات الفرز والتقسيم التى تستدعى مواجهة عاجلة ومباشرة دون تأجيل.
ربما جاء مقترح إحياء الربط البرى بين الرياض وأنقرة مروراً بدمشق وعمّان، فى إطار مواجهة الإرث الجيوسياسى المتراكم منذ عقود، فالمقترح إذا تم تنفيذه يعيد تأسيس خريطة النقل الإقليمى وفقاً لقواعد جديدة تضع الدول العربية فى مسار لوجيستى مباشر نحو أوروبا دون أن تمنح إسرائيل موقع الوساطة الذى عملت على اغتصابه من خلال مسارات التطبيع ومشروعات الممرات البرية الهادفة لربط موانئ الخليج بميناء حيفا، وهو ما أثار غضباً إسرائيلياً ظهر فى تقارير إعلامية أبرزها ما نشرته يديعوت أحرونوت من انتقاد لهذا المسار، فضلاً عن تحذير وزيرة النقل الإسرائيلية، بما يؤكد أهمية المقترح ودوه فى خلق حالة من العزلة اللوجيستية والاقتصادية تقوض طموحات تل أبيب فى أن تكون محطة العبور الرئيسية بين آسيا وأوروبا.
جسر الملك سلمان، المشروع الذى سبق طرحه للربط بين المملكة العربية وسيناء، لا يخرج عن إطار تلك المعطيات، خاصة أنه يحول مضيق تيران من ممر مائى خاضع لرقابة دولية إلى بنية تحتية مشتركة تؤكد السيادة الجغرافية للقاهرة والرياض ويمثل تحولاً نوعياً يمنح الدولتين التحكم فى أهم ممر بحرى على المستوى العالمى، وهو ما يتقاطع مع مشروعات إسرائيلية لتحويل مسارات التجارة الدولية لصالحها، من ممر حيفا البرى إلى القناة البديلة المقترحة التى تربط إيلات بالبحر المتوسط وتنافس قناة السويس.
قد لا تبدو المعطيات السابقة تناقضاً فى المصالح الاقتصادية، وإنما هى صراع على تشكيل البنية الجيوستراتيجية لمنطقة تحتضن ممرات مائية تستحوذ على ثلث تجارة الطاقة العالمية، وهى ورقة بالغة الأهمية لا تزال دون توظيف سياسى عربى يوازى حجمها الحقيقى، ومن ثم يجب أن تدرك الدول العربية أهمية تلك المشروعات وتتعامل معها بوعى من خلال ربط أى دمج اقتصادى أو تطبيع إسرائيلى بتقدم فعلى وغير قابل للتراجع نحو حل الدولة الفلسطينية الذى يجب ألا يُقرأ فقط كموقف أخلاقى وإنما توجّه استراتيجى يرفض منح تل أبيب مزايا الاندماج الإقليمى قبل أن تُقدم ثمناً سياسياً.
المشروع المقترح بين أنقرة والرياض وعمّان ودمشق يُثبت أن دول المنطقة قادرة على رسم خريطة نقلها واقتصادها دون الحاجة إلى ترتيبات تمر بتل أبيب، وهذه القدرة تغيّر منطق التفاوض حين تتحول من الشق النظرى إلى الواقع الفعلى على الأرض، كما أن تناول تفاصيل تلك المشروعات من زاوية التهديد دون تنفيذ عملى لا يحقق تطلعات دول المنطقة فى توفير مظلة حماية أمنية عربية، لأن المشروعات الجيوسياسية تتطلب إدارة قوية وفاعلة، والمنظومة الأمنية التى تلزمها تلك المشروعات تظل مقيدة فى غياب قيادة عسكرية مشتركة ذات صلاحيات فعلية، وشبكة أمنية تتبادل المعلومات الحساسة بعيداً عن حسابات الشك المتبادلة، فضلاً عن تدشين قوة تدخل سريع قادرة على الحضور الفعلى حين تتهدد المصالح المشتركة وخاصة فى الممرات البحرية، إلا أن تلك المشروعات تظل فى طور الأمانى طالما لم تتحول إلى واقع.
لا تقل ثغرة الأمن الغذائى خطورة عن الثغرة الأمنية، فمعظم الدول العربية تستورد أغلب احتياجاتها الغذائية، وهو ما يحول الغذاء إلى ورقة ضغط فى أيدى المتحكمين بسلاسل الإمداد، فى الوقت الذى تمتلك فيه المنطقة العربية مساحات زراعية شاسعة سواء فى مصر أو السودان وغيرها من الدول دون استثمار عربى مشترك، وبرغم ذلك تشترى دول خليجية أراضى زراعية فى أفريقيا وآسيا الوسطى، فى منطق غريب يكشف عمق الفجوة بين توافر الموارد وغياب رؤية تكاملية ترسم خريطة جديدة للوجود العربى الفاعل.
ربما تخطئ الدول العربية طريقها نحو خلق وضع إقليمى أكثر استقراراً، فاتفاق الرياض مع إيران عام 2023 خلق أُطراً دبلوماسية وافتقر إلى ما يُلزمها بالتخلى عن الأذرع العسكرية التى تُمثّل ركناً مهماً من أركان نفوذها الإقليمى، وبالتالى فإن أى اتفاق مع واشنطن لن يُعيد رسم الخريطة الأمنية الإيرانية بين ليلة وضحاها، حيث يظل البرنامج النووى الضامن الأعمق للبقاء، والوكلاء الإقليميون الذراعَ التنفيذية للردع، كما أن مسارات التطبيع لن تحقق السلام فى المنطقة طالما اعتمدت على اتفاقيات ثنائية منفردة تتغاضى عن الأطماع التوراتية برغم يقينها القاطع بالأهداف التوسعية للاحتلال.
لن تكفى الاتفاقيات الثنائية لحماية الأمن القومى العربى ما لم ترتكز على قدرة صلبة وتكتلات إقليمية تجعل تكاليف الاختراق مرتفعةً أكثر مما تُبيحه الحسابات الاستراتيجية، ولا يجب اختزال العلاقة مع إيران فى مجرد الاتفاق أو المواجهة، فالتجربتان الإماراتية والسعودية فى إعادة فتح قنوات الحوار مع طهران تُشيران إلى أن الحوار ممكن لكنه يفقد الكثير من قيمته حين تتفاوض دولة عربية منفردة مع طهران أو مع إسرائيل، لأنها تمنح الخصوم اتفاقاً سهلاً ودليلاً حياً على أن الجبهة العربية غير موحدة، والرد لا يكون بتحركات فردية تُعمّق الانقسام بل برؤية جامعة تواجه المشروعات الجوسياسية التى تراهن على دروب الفرقة.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك