لماذا لم نفكر يوماً فى إنشاء مدينة تحفظ ذاكرة شهداء مصر؟ ليست كل الأمم تحفظ تاريخها بالكتب، فبعض الأمم تحفظه بالحجر، وبعضها تحفظه فى ذاكرة أبنائها، أما مصر التى ارتوت أرضها بدماء الشهداء عبر آلاف السنين، فما زالت تنتظر مشروعاً يجمع هذه الذاكرة فى مكان واحد، لتصبح التضحية جزءاً من وجدان كل مصرى.
إن الجندى المصرى على مر التاريخ قدم تضحيات فى معارك كثيرة، ويجب على الدولة المصرية أن تصل الجيل الحالى بكفاح آبائه وأجداده، من أجل توطين فكرة الهوية والانتماء.
مدينة الشهداء المصرية هى رؤية لإحياء التضحية وتكريم الدماء لربط كل مصرى بهويته الوطنية، مصر ليست دولة عابرة فى هذا التاريخ، فكل شبر من أرضها يروى قصة معركة، وكل عصر من عصورها ترك شهيداً كتب بدمائه فصلاً هاماً من بقاء هذا الوطن، فى كل حفنة تراب، هناك نقطة دماء روت هذه الأرض لتظل تنبت حتى اليوم.
منذ المصرى القديم الذى دافع عن أرضه، مروراً بأحمس ورمسيس، ومعارك عين جالوت، وحروب التحرير، وكذلك ثورة 1919، وحرب أكتوبر، وشهداء الجيش والشرطة فى حروب الإرهاب، كان وراء كل انتصار جندى يروى لنا عبر ذاكرة الوطن لماذا بقيت أرض مصر.
فى مصر.
لم يتوقف نهر التضحية يوماً، ولكن ظلت هذه البطولات مبعثرة بين المتاحف والنصب التذكارية أو حتى داخل صفحات الكتب، رآها البعض وجهلها الكثيرون، ليظهر سؤال يفرض نفسه على عقولنا هل تملك مصر ذاكرة وطنية تليق بتاريخ شهدائها؟إن الأمم لا تخسر معاركها فقط عندما تهزم فى الميدان، بل قد تخسرها أيضاً عندما يجهل أبناؤها لماذا انتصر آباؤهم، وكيف صنعت الأوطان، وهنا يفرض سؤال نفسه على الكلمات هل بالفعل أبناؤنا يدركون ذلك؟ وما حجم هذا الإدراك؟إن الهوية الوطنية لا تورث بالحديث عنها، بل تبنى عندما يعيش الطفل تجربة تجعله يدرك أن الوطن لم يكن يوماً هبة مجانية، بل ثمرة تضحيات لا تنتهى، من هنا جاءت فكرة مدينة الشهداء المصرية، ليست مدينة من الخرسانة، بل مدينة من الذاكرة، ليست مشروعاً عمرانياً لكنها مشروع لصناعة الوعى.
مدينة تضم متحفاً يوثق شهداء مصر عبر التاريخ، وقاعات تفاعلية تعيد رسم المعارك بتقنيات ثلاثية الأبعاد، حتى يشعر الزائر وكأنه يعيش لحظات الدفاع عن الوطن، مدينة يسير فيها الإنسان عبر «طريق الخلود»، فيقرأ أسماء من صنعوا تاريخ مصر، ويرى كيف امتزجت دماؤهم بترابها حتى بقيت مصر.
مدينة تحتضن المسرح الوطنى، والفعاليات الثقافية، ومراكز البحث والتوثيق، والأرشيف الرقمى، لتصبح مدرسة مفتوحة للأجيال، لا مكاناً للزيارة مرة واحدة، ويمكن أن تضم كذلك مدينة لأبناء الشهداء، ومراكز للتأهيل والابتكار، ليبقى الوفاء عملاً مستمراً، لا احتفالاً موسمياً، بل يمكن أن تصبح وجهة عالمية، تُدعى إليها شعوب العالم وقادته ومفكروه، كما تُدعى الوفود اليوم إلى كبرى المتاحف والمشروعات الحضارية، لأن العالم لا يرى فى هذا المشروع متحفاً فحسب، بل يرى أمة تكرم من صنعوا تاريخها.
إننى لا أتحدث عن مشروع يخص الماضى، بل عن مشروع يحمى المستقبل، فالطفل الذى يعرف تاريخ وطنه، أقل عرضة لأن يفقد هويته، والشاب الذى يدرك ثمن الاستقرار، أكثر استعداداً للدفاع عنه، وربما تكون مدينة الشهداء هى المشروع الذى يربط المصريين جميعاً بسلسلة واحدة تبدأ بأول من ضحى من أجل هذه الأرض، ولا تنتهى بآخر من قدم روحه دفاعاً عنها.
إذا كانت مصر قد أهدت العالم واحدة من أعظم الحضارات، فإنها تستطيع أيضاً أن تقدم للعالم نموذجاً جديداً فى حفظ ذاكرة التضحية، نموذجاً يقول إن الأمم لا تبنى مستقبلها بالحجر وحده، بل بما تحفظه فى ضمير أجيالها، ولعل الوقت قد حان، حتى تتحول دماء الشهداء التى روت أرض مصر.
إلى ذاكرة وطنية لا تموت، لأن الأوطان التى تتذكر شهداءها.
لا تُهزم.
أحلم أن يأتى يوم يدخل فيه طفل مصرى هذه المدينة، فيخرج منها وهو يعرف وطنه أكثر، وأحلم أن يزورها ضيف من أى دولة، فيرى مصر كما أراها، وطناً صنعته حضارة عريقة، وحمته تضحيات لا تُحصى، وما زال يؤمن بأن بناء المستقبل يبدأ بحفظ الذاكرة، إذا نجحت هذه المبادرة فى أن تجعل إنساناً واحداً يحب وطنه أكثر، أو يفهم تاريخه بصورة أعمق، فإنها تكون قد حققت رسالتها.
هى دعوة من مواطن مصرى يؤمن أن حفظ ذاكرة الشهداء، ليس وفاءً للماضى فحسب، بل استثمار فى مستقبل الوطن.
وفى المقال القادم.
نرسم معاً تصوراً لمدينة الشهداء المصرية.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك