قالت وزارة الأوقاف أن ثورة 30 يونيو تعد مثالًا حيًّا لكيفية ممارسة الأمة حقها في التغيير بأسلوب سلمي، وفقًا لشرع الله الذي يرفض العنف والتطرف، والإرهاب، ويحث على التعايش السلمي، والمودة، والتراحم، والاحترام المتبادل بين جميع أفراد المجتمع وطوائفه؛ وبالتالي فإن أي محاولات لتفسير الإسلام بصورة متطرفة، أو لا تتماشى مع قيم الوسطية والعدالة فهي بعيدة عن جوهر الشريعة الإسلامية وتعاليمها السمحة.
فقه التغيير السلمي في ضوء الشريعة الإسلاميةيعتبر التغيير من حال إلى حال أفضل من المبادئ التي أقرّها القرآن الكريم، والسنة النبوية الشريفة؛ وهو أمر مطلوب شرعا، ليس في الأحوال الأخلاقية، أو المعاملات، على مستوى الفرد، بل إنه يشمل الحال الجمعي للمجتمع كله، في جميع شؤونه، سواء الاقتصادية، أو السياسية، أو الاجتماعية؛ أو الثقافية،
إلخ.
فالتغيير ليس مقتصرًا على المجتمعات الغربية أو الأنظمة السياسية الحديثة، بل هو جزء من الفهم الإسلامي للحياة الاجتماعية والسياسية، قديما وحديثا، يدل عليه قول الله تعالى: {إِنَّ ٱللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوۡمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنفُسِهِمۡۗ} [الرعد: ١١].
فهذه الآية تؤكد أن حقيقة التغيير يبدأ من الفرد والمجتمع في داخلهما، قبل أن يكون تغييرًا في النظام العام، أو الحاكم، لذلك فإن التغيير السلمي الذي يسعى المجتمع لتحقيقه من خلال إحداث تغييرات اجتماعية، وثقافية، وسياسية، هو جزء من الفهم الإسلامي للمسؤولية الجماعية، لقوله تعالى: {وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ} [المائدة: ٢]، فهذه الآية تحض المؤمنين على التعاون فيما فيه صلاح للمجتمع كله.
وقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: «مَن رَأى مِنكُم مُنْكَرًا فَلْيُغَيِّرْهُ بيَدِهِ، فإنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِلِسانِهِ، فإنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِقَلْبِهِ، وذلكَ أضْعَفُ الإيمانِ».
[رواه مسلم].
فهذا الحديث الشريف يبين أن التغيير لا يجب أن يكون عنفًا أو قسرًا، بل يمكن أن يتم بطرق سِلْمية، سواء بالكلمة، أو بالتأثير المجتمعي، أو توافق الإرادة الشعبية، وهو ما ينطبق تماما على ثورة ٣٠ يونيو التي كانت ثورة تغيير سلمية، أظهرت إرادة الشعب في حقه في التغيير، واحتشاده في الشوارع والميادين، للمطالبة بالتغيير الذي فرضه الواقع يومئذ.
رفض الفساد في ضوء الشريعة الإسلاميةالفساد يعتبر من أقبح الظواهر التي يحاربها الإسلام، بتعدد صوره وأشكاله، سواء كان فسادًا ماليًا، أو إداريًا، أو سياسيًا.
إلخ، ولقد أوجب الإسلام على الأمة أن تعمل على محاربة الفساد والتخلص منه، لأن الفساد يهدم المجتمعات، ويعطل العدالة، ولأن محاربة الفساد منهج رباني، وسنة نبوية، قال الله تعالى: {إِنَّ ٱللَّهَ لَا يُحِبُّ ٱلۡمُفۡسِدِينَ} [القصص: 77]، وقال: {وَلَا تَعَاوَنُواْ عَلَى ٱلۡإِثۡمِ وَٱلۡعُدۡوَٰنِۚ} [المائدة: 2].
فهذا التوجيه للمسلمين على السعي لنبذ الفساد والعدوان، والتعاون في بناء مجتمعات عادلة ومتوازنة، هو أصل من أصول الشريعة الإسلامية.
وتعتبر ثورة ٣٠ يونيو محاولة قد كللها الله تعالى بالنجاح للتخلص من فساد النظام الحاكم يومئذ، الذي كان يتفشى في مفاصل الدولة المصرية.
ففي فترة حكم جماعة الإخوان المسلمين، تفشى الفساد في العديد من المجالات، سواء من الناحية الاقتصادية، أو السياسية، وتمثل ذلك في محاولات للاستحواذ على السلطة، واحتكار القرار السياسي، والمحاباة والمجاملة، وتأخير أهل الكفاءة، والموالاة للجماعة، من مبدأ: " من كان منا فهو منا، ومن خالفنا، فهو عدونا".
مما أدى إلى استياء شعبي واسع، وقد علمتنا الشريعة الإسلامية أن السلطة لا تكون لصالح فرد أو فئة، بل هي أمانة في يد الحاكم لتحقيق مصالح الأمة، وقد ذكر النبي صلى الله عليه وسلم تلك الأمانة بقوله: «كُلُّكُمْ راعٍ، ومَسْؤُولٌ عن رَعِيَّتِهِ؛ فالإِمامُ راعٍ وهو مَسْؤُولٌ عن رَعِيَّتِهِ».
[رواه البخاري].
فكانت ثورة ٣٠ يونيو بمثابة استجابة لصد هذا الفساد، حيث خرجت جموع الشعب المصري على إرادة واحدة، تطالب بالتغيير والإصلاح، وهو ما يتفق مع تعاليم الإسلام التي تدعو الأمة إلى السعي لإصلاح حالها إذا وقع الظلم، وهذا يشير إلى أن التعاون على الإصلاح والعدالة هو الطريق الأمثل لتغيير الأوضاع الفاسدة.
حق الأمة في التغيير ورفض الظلمحق الأمة في التغيير ورفض الظلم من المبادئ الأساسية في الشريعة الإسلامية، وأن السعي لإصلاح الأوضاع التي يسودها الفساد، من أهم ضروريات التغيير، كما في قوله تعالى: {إِنَّ ٱللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوۡمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنفُسِهِمۡۗ} [الرعد: ١١].
وقد بيّن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- حق الأمة في التغيير، حيث قال: «مَن رَأى مِنكُم مُنْكَرًا فَلْيُغَيِّرْهُ بيَدِهِ، فإنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِلِسانِهِ، فإنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِقَلْبِهِ، وذلكَ أضْعَفُ الإيمانِ».
[رواه مسلم]، مما يدل على أن التغيير يمكن أن يتم بطرق سلمية، وثورة ٣٠ يونيو في مصر كانت مثالًا حيًا على تجسيد الأمة لحقها في التغيير، خاصة حينما تكون هناك محاولات لطمس الهوية الإسلامية الوسطية التي تميزت بها مصر وشعبها من بين بلاد الأرض، وزعزعة التعايش السلمي الذي هو أصل أصيل في حياة المصريين.
الدروس المستفادة من ثورة 30 يونيو في ضوء الشريعة الإسلاميةالشريعة الإسلامية تدعو إلى الوعي الجماعي لأهمية تصحيح الأوضاع وتجنب الفساد، ومن خلال ثورة ٣٠ يونيو، تم تسليط الضوء على أهمية وعي الشعب بحقوقه، وهو ما يتماشى مع فقه التغيير في الإسلام.
إن العدالة ورفض الظلم والفساد بجميع أشكاله، من أسس الشريعة الإسلامية، وثورة ٣٠ يونيو كانت تعبيرًا عن رفض الشعب للفساد المستشري في الإدارة الحكومية، وسعيًا لتحقيق العدالة، وخروجا من عباءة الجماعة، التي لا تعرف ولاء للوطن ولا الحفاظ عليه، بل ولاؤها لذاتها ولأفرادها فقط، وهذا ما ظهر من أحوالهم وأفعالهم وأقوالهم علانية من غير خفاء.
٣- التحلي بالصبر والمثابرة لتحقيق الهدف:وبالرغم من التحديات التي واجهتها الثورة، إلا أن الصبر، والتمسك بالمبادئ السلمية، والتصميم على التغيير إلى الأفضل، كانت هي السمات البارزة، التي نتج عنها نجاح ثورة ٣٠ من يونيو، وهي قيم إسلامية أصيلة.
تعتبر ثورة ٣٠ يونيو في مصر من أبرز الأحداث التاريخية التي شهدتها المنطقة العربية في العصر الحديث، حيث قامت الجماهير من الشعب المصري بالتظاهر ضد حكم جماعة الإخوان المسلمين، مطالبين بتغيير النظام الذي رأوا فيه تهديدًا للمجتمع المصري، ومحاولة لتغيير هويته الوسطية الأصيلة، وقد تميزت هذه الثورة بأنها كانت ثورة سِلْمية على غير عهد الثورات التقليدية، التي لا تخلو من عنف، أو سفك للدماء، أو تخريب للمرافق العامة، مما يلفت الانتباه إلى التفكير بعمق في العلاقة بين التغيير السلمي، ورفض الفساد في ضوء الشريعة الإسلامية.
ومن هنا، فإن دراسة ثورة ٣٠ يونيو من منظور فقهي إسلامي يتعلق بفهمنا لمفهوم: " التغيير" في الشريعة الإسلامية، ومقاومة الفساد والظلم، وحق الأمة في التخلص من الأنظمة التي تُسرف في الظلم وتُخِل بأسس الشريعة من أجل مكاسب شخصية لجماعة معينة.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك