يبدو أن لدى الإدارة الأمريكية نوعاً من التعلّق الخرافي برقم 14، إذا نظرنا في الاتفاقين اللذين أبرمتهما مع الحكم الإيراني، من جهة، ومع دولتي إسرائيل ولبنان من الجهة الأخرى.
فلسبب لا يتعلق بأي منطق يفرض نفسه عند القراءة ولا أي ضرورة يوحي بها محتوى الاتفاقين، تضمّن كلٌ منهما 14 بنداً.
والحال أن كثرة البنود لم تعوّض عن إبهام الاتفاق الأول ولا عن خيالية الاتفاق الثاني.
وقد كاد الاختلاف بين واشنطن وطهران حول «مذكرة (سوء) التفاهم» ينجلي حتى قبل التوقيع الرسمي عليها في 17 من الشهر المنصرم، ولا زال مخيّماً على مسار العلاقات السياسية والعسكرية بين الطرفين، بما في ذلك لجوء إيران إلى سلاحها الوحيد إزاء القوة الأمريكية، ألا وهو نقل المعمعة إلى الخليج برمته مع وقف الملاحة عبر مضيق هرمز وقصف دول مجلس التعاون الخليجي بحجة استهداف القواعد الأمريكية على أراضيها.
أما «الإطار الثلاثي» الذي جرى التوقيع عليه في واشنطن قبل أيام قليلة، في 26 من الشهر المنصرم، بين دولتي إسرائيل ولبنان والعرّاب الأمريكي، فإن لم يكن مبهماً كسلفه، يبقى أنه من نسج الخيال، إذ هو مبني بكامله على فرضية ليس ما يوحي بقرب حصولها، أو بإمكانه على الإطلاق.
ومن الواضح أن «الإطار الثلاثي» جاء مكمّلاً لـ«مذكرة التفاهم» فيما يخص لبنان، لتطمين بنيامين نتنياهو وحكومته بعد أن امتعضوا من أن المذكرة التي لم يشاركوا في صوغها ولا جرت استشارتهم في شأنها، تضمنت بنداً عن لبنان، أي عن جبهة قتال خاصة بهم.
وقد نصّ البند المقصود، وهو البند الأول، على «وقفٍ فوري ودائم للعمليات العسكرية على كافة الجبهات، بما فيها لبنان» وعلى مبدأ «سلامة أراضي لبنان وسيادته».
وقد أسرع «حزب الله» في لبنان إلى التهليل بالاتفاق الإيراني-الأمريكي، وكأنه حقّق لهم انتصاراً كاملاً شمل وعداً بانسحاب المحتل الإسرائيلي من جنوب لبنان.
وقد أشرنا في حينه إلى الوهم الكبير الذي حكم هذا التهليل (أنظر «بحرٌ من الأوهام في لبنان إزاء اتفاق واشنطن وطهران»، 16/6/2026).
ولم يمض يومٌ على عقد «التفاهم» بين واشنطن وطهران حتى حرصت الدولة الصهيونية على تأكيد مضيها في الاحتلال والفتك في جنوب لبنان تبديداً لأي أوهام.
وإذ بدت حينها علامات توتر بين دونالد ترامب ونتنياهو، ما لبثت أن عادت الأمور إلى نصابها بين الحكومتين مع توقيع «الإطار الثلاثي» الذي وصفه رئيس الوزراء الصهيوني بالانتصار، مؤكداً على أن مغزى الاتفاق هو أن إسرائيل سوف تبقى في «الحزام الأمني» الذي أقامته لنفسها على حوالي ستة في المئة من الأراضي اللبنانية (حوالي 600 كم مربّع، أي 165 في المئة من مساحة قطاع غزة! ) ولن تسمح لسكان هذه الأراضي من العودة إلى ديارهم، والحال أن المحتل قد تولّى تدميرها منعاً لتلك العودة.
لبنان لا زال يفتقد بحدة ومنذ عقود، إلى حكم يتميّز بحكمة لا تقلّ عن تلك التي تميّز بها حكم فؤاد شهاب إثر الحرب الأهليةفهل أن تهليل نتنياهو بـ«الإطار الثلاثي» هو أيضاً ضربٌ من الأوهام؟ ماذا يقول الاتفاق؟ إنه ينصّ على وعود عسلية خاصة بسلامة أراضي لبنان وسيادته، لكنها جميعاً مشروطة بما نصّ عليه البند الخامس: أن «نزع سلاح وتفكيك» الجماعات المسلّحة الخارجة عن الدولة، مع تخصيص «حزب الله» بالذكر، فضلاً عن «اتفاقيات أمنية إضافية» لم يُحدَّد فحواها، هي الشروط التي «سوف تلغي أي حاجة مستقبلية لنشاط جيش الدفاع الإسرائيلي أو تواجده في لبنان».
بكلام آخر، فإن الدولة الصهيونية تشرط انسحاب جيش الاحتلال من الأراضي اللبنانية ووقف اعتداءاته عليها بنزع سلاح «حزب الله»، بل وبتفكيك الحزب.
أما كيف يجري تحقيق هذا الشرط الأساسي، فهذا ما يجيب عنه البند السابق: بالاتكال على «دعم الشركاء الدوليين، وعلى الأخص الشركاء العرب، تحت قيادة الولايات المتحدة».
ويبدو أن الإدارة الأمريكية تشاطر جهل رئيسها بحقائق المنطقة، وقد أعطى هذا الأخير مثالاً فاقعاً على جهله بها بإيحائه بأن حكم دمشق كفيلٌ بإنجاز مهمة القضاء على «حزب الله»! فليست من دولة عربية، وعلى الأخص دولة أحمد الشرع، مستعدّة للخوض في مهمة تبدو مستعصية مثلما هي مهمة القضاء بالقوة على «حزب الله».
والحال أن ليس من دولة عربية حتى الآن أبدت استعداداً فعلياً للتدخل فيما تبقى من قطاع غزة خارج الاحتلال الإسرائيلي المباشر لإنجاز مهمة نزع سلاح «حماس»، وهي مهمة أيسر بكثير من نزع سلاح «حزب الله» ذي القوة العسكرية الأكبر بما لا يقاس.
وهكذا يستمرّ نتنياهو في لعبته الماكرة التي شرحناها في أكثر من مناسبة (أنظر على الأخص «مكرُ بنيامين نتنياهو في غزة ولبنان»، 2/6/2026)، والتي تقوم على التذرّع بنزع سلاح «حماس» و«حزب الله» كي يحتفظ جيشه بالأراضي المحتلة في القطاع والجنوب اللبناني، بل ويوسّع رقعة احتلاله (إلى نسبة 70 في المئة في غزة حتى إشعار آخر)، وذلك إرضاءً لمتشدّدي حزبه ولشركائه في أقصى اليمين الصهيوني الذين يطمحون إلى ضمّ غزة وجنوب لبنان إلى دولتهم، مثلما ضمّوا هضبة الجولان ويتقدّمون يوماً بعد يوم في ضمّهم الزاحف للضفة الغربية.
أما دخول الحكم اللبناني في لعبة «الإطار الثلاثي» ومجازفته بالتالي بتفجير الوضع اللبناني الداخلي، سياسياً وطائفياً وعسكرياً، وهو على كفّ عفريت، فإنه لرهانٌ ساذج (في أحسن الأحوال) على إدارة ترامب التي يشهد العالم بأسره، بدءاً بأقدم حلفائها، بأن الاتكال عليها من باب العبث.
وكم بالأحرى عندما ينطوي الرهان على الأمل في تولّي «الشركاء العرب» المهمة المستعصية.
إنه لإفلاسٌ عظيم، وتأكيدٌ جديد على أن لبنان لا زال يفتقد بحدة ومنذ عقود، إلى حكم يتميّز بحكمة لا تقلّ عن تلك التي تميّز بها حكم فؤاد شهاب إثر الحرب الأهلية في عام 1958.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك