حسب مؤشر منظمة «الشفافية الدولية»، وهو بين الأكثر مصداقية في تبيان طرائق الفساد وأنساقه، يقبع العراق في المرتبة 136/ 182 دولة، ورصيده من النقاط 28/100، وهذه وسواها معطيات للعام 2025 تؤكد ما بات راسخاً لجهة تفشي الفساد في البلد، خاصة بعد الاجتياح الأمريكي سنة 2003، وما أعقبه من تغوّل الفصائل نتيجة الهيمنة الإيرانية والاستقطابات الطائفية، وانحطاط السياسة لدى معظم الأحزاب والتنظيمات.
وقبل أيام قليلة أعلنت «مجموعة العمل المالي» الدولية أنها أدرجت العراق ضمن ما يُعرف باسم «القائمة الرمادية» للدول التي يتوجب أن تخضع لمراقبة مشددة، بما يعني إخضاع نظامها المالي لمتابعة دولية لصيقة، واشتراط إصلاحات ملموسة في مكافحة غسل الأموال وتعزيز الرقابة المالية.
وأياً كانت ملابسات القرار فإنه نجم عن مخاطر جدية تتصل بالتعاملات المالية، فضلاً عن سلسلة من فضائح الفساد الصارخة.
وملف العراق المعاصر يسجّل ما استحق تسمية «سرقة القرن» داخل هيئة الضرائب، والتي انطوت على سرقة أمانات ضريبية مودعة في مصرف الرافدين الحكومي، بقيمة 3,7 ترليون دينار عراقي، أو ما يعادل 2,5 مليار دولار أمريكي.
واليوم يتردد أنه عُثر على ما قيمته 11 مليون دولار في حوزة أحد الموقوفين بتهم الفساد، وكان يشغل منصباً عالياً وحساساً في قطاع النفط، واختزان هذا المبلغ المذهل بصفة نقدية في مسكن شخصي يعني ببساطة أن مبالغ أخرى طائلة يمكن أن تكون قد أودعت في مصارف أجنبية أو تمّ تهريبها خارج البلاد.
هذا عدا عن أسئلة لا تقل حساسية، حول كيفية تمكن ذلك المسؤول من جباية كل هذه الأموال نقدياً أيضاً، وكيف تملكه اطمئنان تام بصدد تخزينها داخل جدران بيته، وأي شبكات كانت تمنحه الإحساس بالأمان.
صحيح أن الحملة خطوة سليمة على درب مكافحة آفة الفساد، خاصة وأنها تضمنت رفع الحصانة عن النواب المتهمين، ومشاركة هيئة النزاهة الاتحادية ومجلس القضاء الأعلى ومجلس الوزراء وجهاز مكافحة الإرهاب والجيش العراقي وأجهزة أمنية مختصة.
وصحيح أيضاً أن غالبية الأحزاب والقوى والكتل السياسية سارعت إلى الترحيب بالحملة، كما هو متوقع منها، ولم تشذ عن القاعدة تنظيمات اعتُقلت قياداتها بتهم الفساد.
وصحيح، ثالثاً، أن رئيس الوزراء علي فالح الزيدي اعتبر مكافحة الفساد بنداً رئيسياً في برامج حكومته، وهذه ورقة اعتماد لدى زيارته المقررة إلى واشنطن خلال الشهر الجاري.
ما لا يقل صحة في المقابل، ولعله الأكثر إلحاحاً أيضاً، هو المعطى الأكبر الذي يؤكد أن واقع الفساد أشد تنوعاً وانتشاراً وتفشياً من أن تكفي خطوة واحدة يتيمة لاستئصال شبكاته ومؤسساته وحماته، أو اقتلاع تلك الأركان الأعمق التي حوّلته إلى بنية مكينة في الحياة السياسية والحزبية والفصائلية العراقية، ابتداء من كيانات نهب أخطبوطية ثبتها الاحتلال الأمريكي وليس انتهاء بفصائل مذهبية مسلحة مرتهنة لإرادة إيران.
«الصولة» صحيحة، فهل يتضح أنها يتيمة؟

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك