رغم كل السخط الذي خلّفه المنتخب التونسي لكرة القدم بهزائمه الثقيلة في مباريات كأس العالم الحالية، خاصة وأنه المنتخب الافريقي الوحيد الذي لم يمر إلى الدور المقبل من بين عشرة منتخبات إفريقية، فإن لا شيء حصل.
لا المكتب الجامعي لكرة القدم استقال، ولا وزير الرياضة، ولا تحقيق فتح في الأمر ولا شيء على الاطلاق.
هل هذا أمر مستغرب؟ لا أبدا لأن «التطنيش»، وهي مفردة مصرية معبّرة للغاية وتفي تماما بالغرض وتعني التجاهل التام وعدم الاكتراث، بات في السنوات الماضية عقلية حكم معتمدة في تونس، بل وسياسية رسمية في كل المجالات.
أكثر من حدث شهدته البلاد في الفترة الماضية وكان يستوجب من سلطة الأمر الواقع تفاعلا ما لتوضيح الصورة للرأي العام، أو لامتصاص غضبه على الأقل، لكن الواضح أنه لا أحد بات معنيا بأن يعير وزنا لهذا الرأي العام ناهيك عن احترامه أو تقديره.
بعض الأمثلة لا غير: عندما أضرب المحامون في يونيو الماضي احتجاجا على ما يتعرض له القضاء من انتهاكات وتدخلات سياسية مفضوحة، لم تسع السلطة لأي حوار مع هؤلاء أو توضيح موقفها للجمهور، بل اكتفت ببيان يتضمّن استخفافا بالحدث حين جاء فيه أن «المحاكم في كامل تراب الجمهورية ستواصل عملها بشكل اعتيادي ضماناً لحقوق المتقاضين»!
وعندما أضرب موظفو البنوك مؤخرا لثلاثة أيام، لخلاف بين النقابات والمؤسسات البنكية بشأن موضوع الأجور وغيرها من المسائل، لم تر وزارة المالية أو غيرها من موجب لفتح حوار لمعالجة الإشكالات القائمة مع المركزية النقابية.
السبب في ذلك أن السلطة قاطعت هذه المركزية وهمّشتها بالكامل مما جعل قيادتها الجديدة تلوّح من جديد بإمكانية اللجوء إلى إضراب عام يشل كل البلاد ردا على ذلك.
السلطة «في آذانها وقر» أمام كل الدعوات التي وجّهت إليها من جهات مختلفة بضرورة الشروع في حوار وطنيوعندما خرج أهالي قابس جنوب البلاد بعشرات الآلاف مرات عدة احتجاجا على التلوث البيئي الذي سببته مصانع هناك أصاب الناس بشتى الأمراض وحوّل بحرها الجميل إلى بحر كريه، تجاهلت السلطة مواجهة المشكل بشجاعة ومسؤولية مفضلة تقديم بعض المخارج المضحكة التي لم تقنع أحدا.
وعندما تظاهر أصحاب الشهادات العاطلون عن العمل بعد أن فاض بهم الكيل من الوعود الكاذبة بتوظيفهم، جاء الرد بالتجاهل الكامل، تماما كما كان الحال في التعاطي مع الصحافيين الذين تجمهروا أكثر من مرة أمام نقابتهم احتجاجا على خنق الإعلام في البلاد والرمي بعدد من الصحافيين وراء القضبان في قضايا مفتعلة.
بعض الأمثلة لا غير، دون أن نعود من جديد ونكرّر ما سبق أن قيل مرات ومرات من أن السلطة «في آذانها وقر» أمام كل الدعوات التي وجّهت إليها من جهات مختلفة بضرورة الشروع في حوار وطني لتنقية الأجواء السياسية الخانقة وإطلاق سراح السجناء السياسيين القابعين ظلما وعدوانا وراء القضبان منذ أكثر من عامين، والتوقف عن الانتقام من مرحلة الانتقال الديمقراطي المغدور وآخر تطوراته الحكم بالسجن 25 عاما على المناضلة سهام بن سدرين رئيسة «هيئة الحقيقة والكرامة» بسبب فضح كل الانتهاكات الفظيعة لحقوق الإنسان خلال العقود الماضية، وإبعاد القضاء عن التوظيف السياسي وكف يده عن تصفية الحسابات، ورفع الوصاية عن الإعلام الذي تحوّل إلى إعلام كوري شمالي بامتياز وزج الصحافيين في السجون، وملاحقة العشرات بسبب تدوينات وتعليقات في مواقع التواصل، في حين يصول ويجول أنصار الرئيس كما يحلو لهم إلى حد تهديد المعارضين في الداخل والخارج بالتصفية الجسدية دون محاسبة، والمطالبة بضرورة إبعاد محاربة الفساد عن الانتقائية المغرضة من خلال غض النظر والتستر عن قضايا فساد صارخة لمجرد أن أصحابها من الموالين للرئيس أو من الدائرة المحيطة به، وغير ذلك كثير.
لم يقف الأمر عند «تطنيش» الداخل بجميع قواه الحية ومكوّناته، بل امتد كذلك إلى التعامل مع عديد الهيئات والمنظمات الدولية باستخفاف كبير.
لم يكن ذلك فقط بتجاهل مواقف منظمات مرموقة مثل «أمنستي أنترنشيونال» أو «هيومن رايتس ووتش» و»لجنة حماية الصحافيين» و»مراسلون بلا حدود»، أو الرد بتشنج على هيئات حقوقية أممية انتقدت القمع المستفحل في البلاد، بل امتد إلى ما هو أكثر إلزامية وإحراجا.
في سبتمبر/ أيلول 20222 أصدرت «المحكمة الافريقية لحقوق الإنسان والشعوب» (مقرها تنزانيا) حكما تاريخيا ببطلان التدابير الاستثنائية التي أعلنها الرئيس قيس سعيّد في يوليو/ تموز 2021 وببطلان المراسيم المتولدة عنه (مثل حل البرلمان وإعفاء الحكومة)، واعتبرت أن التدابير المتخذة انتهاك للميثاق الإفريقي وحق الشعب في المشاركة السياسية، وطالبت تونس بالعودة للديمقراطية الدستورية وإحداث محكمة دستورية خلال سنتين، لكن السلطة لم تعبأ بكل ذلك وفضلت سحب اعترافها الرسمي باختصاص المحكمة في النظر في قضايا ترفع إليها من أشخاص أو منظمات.
هذا «التطنيش» الذي تحوّل إلى سياسة رسمية معتمدة ما هو في النهاية سوى تعميم لمزاج الرئيس قيس سعيّد نفسه الذي لا يتفاعل أبدا مع محيطه، لا الداخلي ولا الخارجي، ولا يكترث أبدا بما يبديه معارضوه من مآخذ، أو حتى بعض أنصاره، مكتفيا بترديد أن «لا رجوع إلى الوراء»… حتى وإن كان هذا «الأمام» يقود مباشرة وبوضوح إلى جب سحيق.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك