يمكن للمهووس بالتاريخ، انطلاقا من جنون الهوية أن يقول ما يشاء عن الماضي الموغل في القدم، وحتى التاريخ الحديث لأنه يقرأ ما توفره له الكتابات التاريخية السابقة من معطيات يؤولها لحسابه الخاص، محرفا ومختلقا ومتخيلا من أجل إثبات «الحقيقة» التاريخية الخيالية (الأصاديق) التي يتبناها ويدافع عنها لأغراض أيديولوجية، أو عرقية أو دينية.
إن التاريخ كما يقولون يكتبه المنتصر، ويمكن أن يكتبه المنهزم أيضا، ولكل وجهة هو موليها، حسب رغباته ومقاصده.
لكن التاريخ ليس فقط تاريخ تشكل الدول والإمبراطوريات، التي عمرت القرون، وحافظت على حرية المنطقة التي عمرتها، وهزم أحرارها كل الغزاة.
هناك تاريخ آخر لا يقل أهمية عن التاريخ السياسي لأي أمة من الأمم.
هذا التاريخ لا يكتبه المؤرخ الذي تنتدبه السلطة لتدوين مفاخرها ومنجزاتها، ولا حتى من يتوهم أنه يسعى إلى خلق هوية سردية تاريخية جديدة، معتقدا بأنه يكفي كتابة خبر آخر مختلف لتتأسس الهوية السردية التي لا يعرف معناها، لأنه لا يكرر إلا ما يروجه الإعلام عن «السردية»، وقد صارت ببساطة بديلا عن المادة الخبرية، أو الإعلامية من منظور معين.
إن إعادة كتابة سردية تاريخية جديدة لا يستقيم من دون تاريخ آخر، ليس هو ببساطة ما يكتبه «مؤرخ السلطان»، ولكنه تاريخ ما أنتجه الإنسان.
ويفرض علينا هذا طرح السؤال المزدوج: هل هناك تاريخ أدبي مغربي؟ وما هي خصوصية هذا التاريخ في ضوء علاقته بتشكل المغرب وتطوره دولة وشعبا؟إن هذا التاريخ الآخر هو التاريخ الثقافي، بصفة عامة، وتاريخ الأدب بكيفية خاصة، إنه التاريخ الذي أنتجه الإنسان مؤسسا بذلك نصية كبرى تمتح من خلفيات نصية تشكلت عبر التاريخ الإنساني، وهي الدالة على تفاعل الإنسان مع العالم الذي يعيش فيه، ويعبر من خلاله عن إنسيته.
وكل مجتمع يسهم في تلك النصية الكبرى بما تحقق لديه من إنتاجات ثقافية وفكرية وأدبية تعكس تجربته في الحياة، ورؤيته للعالم.
ولعل مقولة «الأدب العالمي» خير تمثيل لذلك.
لا يمكن فهم الثورة الفرنسية من دون أدب التنوير، ولا فهم الأدب العباسي من دون ربطه بتشكل الدولة العربية الإسلامية وتطورها.
قد تختلف الكتابات التاريخية عن تجربة أي أمة من الأمم بسبب اختلاف المناهج والمقاربات والمنطلقات الأيديولوجية التي تسعى إلى ادعاء الحقيقة، إما بتأويل الأحداث، أو ملء الثغرات.
لكن التاريخ الآخر، تاريخ الأدب يقدم لنا صورا أخرى عن الإنسان في علاقته بالفضاء الذي يعيش فيه، والزمان وما عرفه من تحولات وتغيرات.
لا يمكننا الحديث عن فرنسا، أو أي أمة من الأمم، من دون الحديث عن آدابها.
إن الأدب الفرنسي هو ما يجسد هويتها الحقيقية، وتميزها عن غيرها من الأمم، لذلك كان الأدب الفرنسي تمثيلا لما يتصل بالمجتمع الفرنسي وتاريخه، ومن هنا أيضا تأتي أهمية التفاعل الدائم معه، ودراسته، والعمل على تطويره.
فهوية الوطن لا علاقة لها بالعائلة التي حكمت، أو العشيرة التي هيمنت، أو القبيلة التي سادت في أي حقبة ما من الحقب التاريخية، ولكن بما ينتجه أبناء هذا الوطن من آداب وفنون في نطاق ما صنعه التاريخ السياسي بصراعاته وتقلباته، وبمثالبه ومناقبه، مكونا بذلك جغرافيات متحولة مع الزمن.
إن الكلمة الإبداعية التي ينتجها الإنسان، سابقة على أي فعل يقوم به، فصرخة امرأة: «وامعتصماه! »، ولدت قصيدة من أروع الشعر العربي، وجاءت معركة عمورية لتكون مادة للرواة والمؤرخين.
انتهى ذاك الحدث التاريخي، وصار في الأرشيف.
أما القصيدة فستظل حية، تقرأ، وتحلل وفق مختلف المناهج التي تتطور مع الزمن الثقافي.
ولهذا الاعتبار نجد أي أمة من الأمم تعنى بآدابها، وبكتابة تاريخ تلك الآداب التي تراها معبرة عن وجودها وخصوصيتها.
وكل الدول الحديثة تعنى بتاريخها الأدبي، وتهتم بإعادة النظر فيه وفق منهجيات جديدة.
لكل أمة نصيب من الإنتاج الأدبي.
إنه تعبير عما يحس به المرء، ويرغب فيه، أو يتمثله في علاقته بالعالم.
ولما كانت مادة هذا التعبير لغوية فإنها انتقلت من مرحلة الشفاهة إلى الكتابة مع التطور التاريخي الذي عرفته المجتمعات.
لقد ساهمت الكتابة، عبر التدوين، في الحفاظ على بعض ما أنتج في مرحلة الشفاهة، أي مما بقي محفوظا ومتداولا، وصارت الكتابة بعد ذلك تقليدا له أصول وقواعد.
أما ما لم يدون من الإنتاجات الشفاهية فكان عرضة للزوال لأن الذاكرة الجماعية لا يمكنها الاحتفاظ به لعدة قرون لعوامل كثيرة في غياب تشكل الدولة المركزية، ووحدة اللغة الجامعة، لأنهما الضامنان للاهتمام به ورعايته.
وكل المجتمعات التي لم تعرف مركزية الدولة ووحدة اللغة انقرضت كل إنتاجاتها التي عبرت بها عن حياتها، ولم يبق منها سوى بعض ما يدل على وجودها، وهو في أغلب الحالات غير ذي قيمة تتيح إمكانية كتابة تاريخها.
ولذلك نجدهم يقولون إن موت شيخ في أي قبيلة يعني نهاية تجربة حياتية كاملة مليئة بالأقوال والأفعال.
إن سؤال: هل هناك تاريخ أدبي مغربي؟ يحتمل تصورين مختلفين.
أما أولهما فيتصل بوجوده التاريخي وقيمته الفنية والجمالية.
أما الثاني فيحيل على زمان تشكله وتطوره.
ويفرض علينا السؤالان معا ربط تاريخ الأدب المغربي بتاريخه السياسي، ومدى تأثير كل منهما في تجسيد العلاقة بينهما، وبما يربطهما بآداب دول أخرى، وبالأدب العالمي.
إذا كان تاريخ المغرب يطرح أسئلة كثيرة تتباين فيها وجهات النظر وفق منطلقات ومقاصد مختلفة، وأحيانا متعارضة، فهل تاريخ الأدب المغربي يقدم لنا صورة أكثر وضوحا وعمقا عن واقع التاريخ المغربي بالمقارنة مع غيره، مما يعتمد لتقديم تاريخ مختلف للمغرب؟ إن طرح السؤال تاريخ الأدب المغربي، وتجديد النظر فيه ضرورة ثقافية للتمييز بين الواقع والخيال.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك