في مثل هذا الوقت من كل عام، ينشغل أهالي خربة أبو فلاح والمغير شمال شرقي رام الله، وسط الضفة الغربية المحتلة، وخصوصاً المزارعين، بحصاد القمح وبعض المحاصيل الموسمية الأخرى، لكنهم يُشغلون العام الحالي بكيفية المرور بأمان في الطريق الواصل بين القريتين، في ظل اعتداءات متكررة من المستوطنين.
ومن المتوقع أن تزداد حدة هذه الاعتداءات بعد إقامة خيمة استيطانية إضافية، الأحد الماضي، على قمة جبل سيع الواقع بين قريتي المغير وأبو فلاح، لتصبح الطريق الوحيدة بين القريتين تحت رحمة المستوطنين؛ والتي باتت بعد حرب الإبادة المنفذ الوحيد لقرية المغير إلى باقي مناطق الضفة الغربية.
علماً أن هذه المنطقة مصنفة" ب" بموجب اتفاق أوسلو(1995)، أي الخاضعة لسيطرة أمنية إسرائيلية وسيطرة إدارية ومدنية فلسطينية.
منذ عامين تقريباً بدأت تتقلص عمليات الزراعة والرعي في سهل مرج سيع الواقع بين القريتين، نتيجة اعتداءات المستوطنين وجيش الاحتلال على حد سواء.
فقد المزارعون بالتالي، لا سيما من أهالي المغير، مصدر رزق هاماً، لكنه ليس الوحيد الذي فقدوه.
فأهالي قرى شمال شرقي وشرقي رام الله، يفقدون تدريجياً معظم أراضيهم الزراعية ويُحصرون قسراً في مناطق سكناهم، فيما يفقد أهالي المغير تحديداً الأمان في الطريق الوحيد المتبقي من قريتهم وإليها، إثر إغلاق الجيش الإسرائيلي كل الطرق الأخرى بعد السابع من أكتوبر/ تشرين الأول 2023.
ومع هجمة الاستيطان التي تقودها حكومة بنيامين نتنياهو في الضفة الغربية منذ أكثر من عامين، بما في ذلك تزايد البؤر الرعوية، شق مستوطنون في الثامن من مايو/ أيار الماضي، طريقاً استيطانياً بين قريتي المغير وخربة أبو فلاح شمال شرقي رام الله، تحديداً في جبل سيع.
ويهدف هذا الطريق الذي يقضم مزيداً من أراضي الفلسطينيين، لربط عدد من البؤر الاستيطانية في المنطقة ببعضها البعض.
لكنهم لم يكتفوا بذلك.
آخر الفصول في التضييق على الفلسطينيين في المنطقة، خيمة بلاستيكية، يقدر الأهالي أبعادها بأربعة أمتار عرضاً وأربعة طولاً، أقامها المستوطنون الأحد الماضي، على قمة جبل سيع المطلة على الطريق بين المغير وخربة أبو فلاح.
كما تطل قمة الجبل على سهل مرج سيع، وعلى منازل ومدرسة في خربة أبو فلاح.
عملياً نقل المستوطنون الخيمة من منطقة الخلايل في قرية المغير، بعد أن تمكنوا خلال الأشهر الماضية، تحديداً منذ فبراير/ شباط الماضي، من تهجير عائلات من القرية من مساكن زراعية كانت تقيم فيها معظم الوقت، إضافة إلى عائلات بدوية كانت قد اضطرت قبل سنوات للجوء إليها بعد تهجيرهم من منطقة عين سامية في قرية كفر مالك شرقي رام الله، وذلك باعتبار أن منطقة الخلايل تقع في منطقة مصنفة" ب".
ضمَن المستوطنون أن منطقة الخلايل أصبحت فارغة من الوجود الفلسطيني، بعد استخدامهم العنف لتهجير العائلات الفلسطينية، وساعدهم جيش الاحتلال في منع المزارعين الفلسطينيين من الوصول إلى أراضيهم، ومنع أصحاب المواشي من رعي أغنامهم هناك.
فانتقل المستوطنون بذلك إلى مستوى آخر من السيطرة على الأراضي وحصار القرى وحتى السيطرة على الطرق إليها.
ظهر الأحد الماضي، فوجئ الفلسطيني أكرم وجيه باتصالات تبلغه بإقامة المستوطنين خيمة على أرضه في قمة جبل سيع.
ويملك وجيه في جبل سيع أرضاً مساحتها 18 دونماً، ومنذ عام تقريباً لم يستطع الوصول إليها لقطف ثمار أشجار الزيتون، التي يبلغ عمر معظمها أكثر من 100 عام، كان قد زرعها جده، ولا حتى حراثتها بسبب وجود بؤرة استيطانية قريبة، وتكرار اعتداءات المستوطنين.
قال وجيه لـ" لعربي الجديد"، إنه لا يملك أشجار زيتون سوى في هذه الأرض، موضحاً أنه زرع أرضاً في منطقة أخرى في قريته خربة أبو فلاح، لكن جيش الاحتلال حرمه من الوصول إليها، ولم يستطع ري الأشجار بالماء فيبست.
تقع أرض وجيه في منطقة مصنفة" ب" وفق اتفاقية أوسلو، أي أنها تتبع إدارياً للسلطة الفلسطينية والمجلس المحلي بكل تفاصيل تراخيص البناء أو الخدمات المقدمة.
لكن المستوطنين لم يعودوا يفرقون بين التصنيفات التي أقرتها اتفاقية أوسلو.
حاول وجيه التحرك عبر الاتصال بالشرطة الإسرائيلية وإبلاغ الارتباط الفلسطيني (جهاز الارتباط العسكري بين السلطة الفلسطينية وإسرائيل) باحتلال المستوطنين أرضه.
تحركت شرطة الاحتلال وأزالت الخيمة، فعاد المستوطنون لنصبها الساعة الثالثة فجراً من دون أي تحرك آخر من الشرطة الإسرائيلية، رغم إعادة التقدم بشكوى أخرى.
بل على العكس تعرضت منطقة مرج سيع لاحقاً لهجوم من المستوطنين.
لا يرى السكان الفلسطينيون في تحركات جيش الاحتلال وشرطته سوى مساعدة للمستوطنين، بادعاء تطبيق القانون، لكن عملياً ما تقوم به المؤسسات الإسرائيلية هو إعطاء الوقت الكافي للمستوطنين للوصول لمبتغاهم.
عمر خطاب: تتأخر شرطة الاحتلال في الوصول إلى مكان اعتداءات المستوطنين إلى حين مغادرتهم لإظهار عدم صحة شكاوى الفلسطينيينضو المجلس القروي في خربة أبو فلاح عمر خطاب، أشار في حديث مع" العربي الجديد"، إلى أساليب شرطة الاحتلال التي تكررت في التعامل مع قضايا المواطنين في القرية.
فالأهالي حين يتقدمون بشكاوى ضد اعتداءات المستوطنين، وفق خطاب، يضطرون للانتظار خارج مركز شرطة بنيامين (المسؤولة عن أمن منطقة وسط الضفة) لساعات، في محاولة لدفع الأهالي للعدول عن التقدم بالشكوى.
وحتى في حال تلقي الشكوى، لاحظ خطاب تأخر الشرطة في الوصول إلى المكان، إلى حين مغادرة المستوطنين لإظهار عدم وجود صحة للشكوى.
رغم ذلك أقر المجلس القروي لخربة أبو فلاح لجنة منذ 15 إبريل/ نيسان الماضي، وتم توكيل محامٍ لمتابعة قضايا اعتداءات المستوطنين والبؤر الاستيطانية، فالاعتداءات ليست مرتبطة بإقامة الخيمة مؤخراً.
منذ أكثر من أسبوعين تركزت هجمات المستوطنين في منطقة مرج سيع، وكأن تلك التحركات الإرهابية كانت مقدمة لإقامة بؤرة استيطانية جديدة، يتم تثبيتها عبر الخيمة التي نصبت فوق قمة جبل سيع.
وفي هذا السياق أكد رئيس مجلس قروي المغير أمين أبو عليا لـ" العربي الجديد"، أن تلك الهجمات ركزت خلال الأيام الماضية، على المارة في الطريق بين قريتي المغير وخربة أبو فلاح، حيث المدخل الغربي للمغير والوحيد المتبقي للقرية.
وبعد إقامة الخيمة، أصبح الخطر أكبر على حركة الأهالي كون المستوطنين أصبحوا يستخدمون الشارع الذي يمر منه الفلسطينيون، من أجل الوصول إلى نواة البؤرة الجديدة.
وتشرف البؤرة على أربعة آلاف دونم، أي أنها ستكون نقطة مراقبة متقدمة للمستوطنين، من أجل متابعة أي تحركات فلسطينية في تلك الأراضي لمنع زراعتها أو حتى الوصول إليها.
أمين أبو عليا: بعد بدء العدوان على غزة منع الجيش الإسرائيلي الأهالي من الوصول إلى معظم أراضي قرية المغيرويعد منع الفلسطينيين والرعاة من الوصول إلى الأراضي الزراعية والمراعي، استراتيجية يتبعها المستوطنون بمساعدة جيش الاحتلال، ما يعني حصر الأهالي في مناطق السكن.
وأوضح رئيس مجلس قروي المغير أمين أبو عليا، أن القرية تملك أكثر من 43 ألف دونم من الأراضي الزراعية والمراعي، كان الاحتلال يصادر أربعة آلاف منها، قبل السابع من أكتوبر 2023.
وبعد بدء العدوان على غزة، منع الجيش الإسرائيلي الأهالي من الوصول إلى معظم تلك الأراضي في المغير، كما هجّر البدو منها وأغلق الطرق الزراعية، ليتبقى للقرية 950 دونماً فقط، وهي المنطقة التي تقام عليها منازل القرية.
ووسط الاعتداءات المتكررة من المستوطنين وجيش الاحتلال على الطريق الوحيد للقرية، واتباع أساليب جديدة مثل قيام الجنود أو المستوطنين بلباس عسكري بسرقة مبالغ مالية من الأهالي خلال تنقلهم من القرية وإليها، إلى جانب اختيار المستوطنين أوقات الذروة كوقت انتهاء الدوام يوم الخميس عشية العطلة الأسبوعية لتنفيذ الهجمات، فإن الاحتلال يدفع الأهالي لترك قريتهم قسرياً، وخصوصاً أولئك الذين يعملون خارج القرية ويضطرون للتنقل اليومي.
لكن ووفقاً لأبو عليا، ولوعي الأهالي في المغير لهدف الاحتلال، وخبرتهم الطويلة معه ومع المستوطنين، فإن القرية لم تسجل حالة هجرة واحدة إلى القرى الأخرى أو إلى مدينة رام الله.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك