على وقع عمليات المداهمة واعتقال متورطين بقضايا فساد وسرقة المال العام في العراق، منذ فجر الأحد الماضي، والتي امتدت ليل الاثنين- الثلاثاء إلى محافظات نينوى وصلاح الدين والبصرة، وفق مصادر أمنية عراقية أكدت لـ" العربي الجديد" اعتقال مديرين عامين في وزارات الكهرباء والنفط والبلديات، إلى جانب سياسيين، لم يفض اجتماع ائتلاف" الإطار التنسيقي" الحاكم، بحضور رئيس الوزراء العراقيعلي الزيدي، والذي استمر حتى ساعة متأخرة من ليل الاثنين، إلى إطلاق يد الزيدي للتحرك في هذه الحملة على خط جهات وشخصيات محسوبة على الفصائل المسلحة.
وتتفاعل في العراق مطالبات بعدم اقتصار حملة حكومة علي الزيدي والملاحقة في ملف الفساد على شخصيات ونواب ومسؤولين غير محسوبين على الفصائل العراقية الفاعلة، والتي تمتلك مكاتب اقتصادية وواجهات تعمل في مناطق مختلفة من العراق.
ووفق ثلاثة مصادر، هم نائبان في البرلمان عن" الإطار التنسيقي" ومصدر مقرب من حكومة الزيدي، تحدثوا لـ" العربي الجديد"، فإن رئيس الوزراء العراقي أبلغ قادة" الإطار" بعزمه على المضي بالحملة الحالية بالتنسيق مع رئيس مجلس القضاء الأعلى، فائق زيدان.
ويستند علي الزيدي الذي يزور البيت الأبيض منتصف شهر يوليو/تموز الحالي، في حملة الحرب على الفساد التي يتبناها، إلى وجود ضغوط أميركية مرتبطة بملف غسيل الأموال وتمويل الإرهاب، واتهامات واشنطن باستفادة إيران وحزب الله اللبناني من المنظومة المالية والاقتصادية العراقية، عبر شبكات تعمل بشكل أفقي داخل العراق (لامركزية) ومن خلال واجهات مختلفة.
وقال أحد المصادر لـ" العربي الجديد"، إن عدداً من قادة" الإطار التنسيقي"، يخشون من توترات أمنية في حال طاولت الحملات شخصيات قيادية في فصائل مسلحة، كما طالبوا رئيس الوزراء علي الزيدي بالعمل وفقاً لآلية تضمن عدم خلق أي اضطراب أمني.
وبيّن المصدر نفسه أن ثلاث شخصيات فصائلية وردت أسماؤها في التحقيقات بملف الفساد في وزارتي النفط والكهرباء حتى الآن، إلى جانب اتهامات لرئيس الوزراء السابق محمد شياع السوداني، بالتقصير الذي أفضى إلى ارتفاع معدلات الفساد بالشكل الحالي.
من جهته أشار مصدر آخر إلى وجود حراك سياسي تجاه حكومة علي الزيدي والقضاء تقوده بعض الأطراف، بهدف التوصل إلى تسويات تقضي باستعادة الدولة الأموال الناتجة من عمليات الفساد، مقابل أحكام مخففة أو حتى إطلاق سراح.
وأكد أن هذا الحراك ما زال في بدايته، ومن غير الوارد القبول به نظراً لتجربة سابقة مع فضيحة سرقة الأمانات الضريبية عام 2022 المعروفة باسم" سرقة القرن"، البالغة 3.
7 ترليونات دينار (نحو 2.
5 مليار دولار).
وتتعلق هذه القضية بمرحلة حكومة رئيس الوزراء السابق مصطفى الكاظمي، حيث لم تسترد الدولة من هذه الأموال سوى جزء قليل، بينما تمكن المتورطون من مغادرة العراق بعد إطلاق سراحهم بكفالات.
الحملة التي يقودها الزيدي ستذهب إلى إيقاف مشاريع، وتجميد التعامل مع شركات وجهات في القطاع الخاص مرتبطة بعدة فصائل مسلحة، بناء على اشتراطات أميركيةمصدر مقرب من الحكومة العراقية، قال لـ" العربي الجديد"، إن الحملة التي يقودها علي الزيدي ستذهب إلى إيقاف مشاريع، وتجميد التعامل مع شركات وجهات بالقطاع الخاص مرتبطة بعدة فصائل مسلحة، بناء على اشتراطات أميركية.
وكشف عن وجود شركات إنشاءات تعمل في مجال الطرق والجسور والمطاعم والفنادق إلى جانب تجارة التجزئة والمجمعات السكنية، تتهمها واشنطن بأنها غطاء تجاري أو مصادر تمويل لفصائل صنفتها سابقاً على لائحة المنظمات الإرهابية، مثل كتائب حزب الله والنجباء وعصائب أهل الحق، سيتم التوقف عن التعامل معها من خلال الحكومة والوزارات والمؤسسات الرسمية.
وأوضح أن هذا الإجراء قد يعتمده علي الزيدي بديلا عن صدام مباشر مع الفصائل في حال قرر التوجه لتنفيذ عمليات اعتقال على غرار التي حصلت الأيام الماضية.
في غضون ذلك فإن حملة مكافحة الفساد الحالية، تلقى دعماً سياسياً داخل العراق، إذ جدد" الإطار التنسيقي"، في بيان عقب اجتماعه ليل الاثنين- الثلاثاء بحضور الزيدي، " تأكيده على دعم جهود محاربة الفساد وعملية صولة الفجر (اسم العملية المرتبطة بفجر الأحد)".
وأوضح أن المجتمعين أكدوا" دعمهم وتأييدهم للخطوات الحكومية والقضائية بما يعيد الثقة بالعملية السياسية"، مشددين على" ضرورة استدامة تلك الجهود وتطهير مؤسسات الدولة من الفاسدين والمقصرين، ووقف هدر المال العام".
وكان زعيم التيار الوطني الشيعي (التيار الصدري سابقاً) مقتدى الصدر من أوائل من رحّبوا بالحملة ودعموها.
كذلك أعلن المجلس السياسي الوطني (القوى السنية) في بيان مساء أول من أمس الاثنين، أن" المجلس السياسي الوطني، عقد اجتماعاً في مقر رئيس تحالف السيادة خميس الخنجر في بغداد، بحضور رئيس مجلس النواب (هيبت الحلبوسي)، وقادة الأحزاب والتحالفات المشكلة للمجلس، وعدد من القيادات السياسية.
وثمن الإجراءات الأخيرة التي شهدتها بغداد وعدد من المحافظات والتي اتخذها رئيس الحكومة علي الزيدي بالتعاون مع السلطتين التشريعية والقضائية لملاحقة المتهمين المتورطين في قضايا الفساد واسترداد أموال البلد".
وأكد المجلس، أن" مكافحة الفساد تمثل أولوية وطنية لا تحتمل الانتقائية أو التسييس، وأن نجاحها يقتضي تطبيق القانون بعدالة وحياد على جميع المتورطين، دون استثناء أو تمييز".
وفي أحدث عمليات حملة الاعتقالات، أعلن مجلس القضاء الأعلى، في بيان مساء أول من أمس الاثنين، العثور على 11 مليون دولار، و4 مليارات دينار عراقي (حوالي 3 ملايين دولار) في حوض سباحة وكيل وزارة النفط علي البهادلي، والذي اعتُقل فجر الأحد الماضي.
وأضاف أن البهادلي اعترف بوجود هذه المبالغ مخبأة في حوض السباحة بمنزله، كما تم الوصول إلى عقارات وضبطها دون أن يحدد مكانها.
في المقابل، أعلن جهاز الأمن الوطني، ضبط مبلغ 4 ملايين دولار في سيارة طراز" بيك أب" كانت تحاول مغادرة محافظة صلاح الدين باتجاه محافظة ديالى، شمال شرقي العراق، ومخفية في جردل ماء فارغ، فيما اعتقل السائق.
وتزامنت هذه المحاولة مع عمليات اقتحام منازل أقرباء مسؤولين وسياسيين في الشرقاط وبلد بمحافظة صلاح الدين.
وقد طاولت حملة الاعتقالات حتى الآن نحو 53 شخصاً وفق معلومات" العربي الجديد"، وذلك بناء على اعترافات وكيل وزارة النفط مدير عام مصافي" الشمال وبيجي" عدنان الجميلي الذي اعتُقل في شهر مايو/أيار الماضي على ذمة التحقيق، (لوزارة النفط أربعة وكلاء).
ووفق مجموع ما ذكرته بيانات وإعلانات متتابعة صدرت عن مجلس القضاء والحكومة العراقية، فقد بلغت قيمة الأموال المصادرة خلال المداهمات نحو 200 مليار دينار عراقي لغاية الآن (نحو 152.
5 مليون دولار).
كما تم ضبط المئات من العقارات والحسابات البنكية داخل العراق وخارجه مسجلة بأسماء المتورطين بجرائم الفساد وزوجاتهم وأبنائهم.
الأموال التي تمت مصادرتها (الكاش) تخطت عتبة الـ 200 مليار دينار عراقيوقال مسؤول أمني عراقي في قيادة العمليات المشتركة التي تشرف على سير العمليات لـ" العربي الجديد"، إن الأموال التي تمت مصادرتها (الكاش) تخطت عتبة الـ 200 مليار دينار عراقي، إلى جانب كميات كبيرة من الذهب والمجوهرات والساعات، والسيارات الفارهة التي تخطى عددها 300 سيارة من أنواع مختلفة.
وأضاف أنه تم وضع اليد على أكثر من 400 عقار سكني وتجاري، إلى جانب حسابات بنكية، لافتاً إلى أن هناك تنسيقا مع الإمارات والأردن وتركيا وإيران ولبنان، بوصفها أكثر الدول التي ورد ذكرها في اعترافات المسؤولين (المعتقلين)، مستقراً لأموال الفساد المنهوبة من موازنة الدولة.
وكشف المسؤول نفسه عن أن العثور على الأموال الكاش في منازل المسؤولين والسياسيين وأقربائهم، تشرح الحالة التي استشرى فيها الفساد وضعف الرقابة في الحكومة السابقة (حكومة محمد شياع السوداني).
فقد عثر على الأموال، وفق المسؤول" في تنور طين وحوض سباحة وفتحات مكيف هواء ومزارع، وحتى داخل مخابئ في أسرة وخزانات خشبية"، مرجحاً أن تواصل الحملة عمليات ضبط الأموال لفترة أطول من المتوقع.
وأول من أمس الاثنين، كشف المستشار القانوني للحكومة القاضي منير حداد، في تصريحات، عن مصادرة 98 مليار دينار (74.
7 مليون دولار) وكميات كبيرة من الذهب في منزل النائبة المعتقلة بتهم الفساد عالية نصيف، والتي جرت مداهمة منزلها فجر الأحد الماضي.
وكان النائب حسين عرب، قد اعتبر في تصريحات تلفزيونية مساء أول من أمس، أن الفساد في العراق" تحوّل إلى عمل مؤسساتي وبات يشكل تهديداً وجودياً للدولة العراقية"، كاشفاً عن صدور مذكرات قبض بحق وزيرين سابقين في حكومة السوداني.
وقال إن" الأموال المكتنزة في المنازل تعود إلى مديرين عامين ووكلاء وزارات ونواب"، فضلاً عن" تحويل 150 مليون دولار في عملية واحدة من داخل العراق إلى الخارج، وهي جريمة كبرى".
وأوضح أن" هناك من يخبئ الأموال فوق أسطح المنازل وداخل المجاري وفي براميل مخصصة، كما تم رفع الحصانة عن بعض المتهمين، وصدرت مذكرات قبض بحق وزيرين سابقين في حكومة السوداني، فيما يمتد الملف إلى قضايا تتعلق بتسويق النفط وشرائه وتهريبه وتزوير العملة".
وأكد أن" القضاء العراقي يتجه إلى كسر قيود الحصانة لملاحقة المتورطين من النواب والوزراء السابقين والوكلاء والمديرين العامين، المتهمين بالسمسرة وشرعنة الفساد".
أما عضو البرلمان العراقي، شاخوان عبد الله، فقال في مقابلة تلفزيونية مساء أول من أمس، إن 10 نواب حتى الآن رفعت عنهم الحصانة، وهناك نواب آخرون متورطون بالفساد، متحدثاً عن أن قيمة عمليات الفساد في محافظة كركوك، بلغت 200 مليار دينار في سنة واحدة.
كما كشف عن اعتقال تسعة أشخاص في أربيل بينهم برلمانيون ومديرون عامون وموظفون حيث سيتم تسليمهم إلى بغداد.
في هذا السياق قال الخبير بالشأن السياسي العراقي، مجاهد الطائي لـ" العربي الجديد"، إن الطبقة السياسية الحاكمة في العراق" أمام اختبار صعب يتمثل بالحفاظ على استمرارية النظام السياسي مقابل التضحية ببعض أطرافه".
وأكد أن" الضغوط الأميركية تجاه ملف الفساد، والأزمة المالية الحالية التي يمر بها (العراق) جراء إغلاق مضيق هرمز، وعدم القدرة على تصدير النفط، كلها تدفع الحكومة الحالية إلى المضي بالحملة حتى وإن كانت غير شاملة، أو جزئية".
وضرب مثلاً في" التضحية ببعض القوى التي لن يكون لها أي ارتدادات في حال طاولتها الإجراءات الحكومية ضد الفساد، مثل تحالف العزم بقيادة مثنى السامرائي، وتحالف الإعمار والتنمية بقيادة رئيس الوزراء السابق محمد شياع السوداني".
وتوقّع الطائي أن تعمل بقية القوى والشخصيات السياسية على تسويات طوعية لحين الخروج من الأزمة، من دون أن تطاولها عمليات الاعتقال أو التحقيق.
وفي رأيه فإن" قوى السلاح لديها حسابات مختلفة بالمشهد العراقي سواء أمنياً أو سياسياً، أو حتى قضائياً، وتتعلق بالضغط الأميركي بالدرجة الأساس"، موضحاً أنه" إذا كان النظام السياسي سيتعرض للخطر فستوافق جميع القوى على ضرب طرف مسلح أو مليشيا والخروج بأقل الأضرار، لذا كل الخيارات واردة لكن التسويات أقرب من المواجهة لشركاء السلطة".

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك