تُعد اللغة الشحرية أو الجبالية، المعروفة أيضًا باسم" السحرات" لدى أهلها، واحدة من أقدم اللغات السامية التي لا تزال حية حتى اليوم، ويتحدث بها سكان محافظة ظفار جنوب سلطنة عمان، حيث تمثل جزءًا أصيلًا من الهوية الثقافية والتراثية للمنطقة، رغم اختلافها الكبير عن اللغة العربية في المفردات والبنية اللغوية.
وتنتمي الشحرية إلى مجموعة اللغات العربية الجنوبية الحديثة، وهي تسمية أكاديمية لا تعني أن اللغة حديثة النشأة، بل تشير إلى أنها صُنفت حديثًا ضمن الدراسات اللغوية المعاصرة للتمييز بينها وبين اللغات السامية القديمة.
الشحرية.
لغة مهددة بالانقراضوتصنف منظمة اليونسكو اللغة الشحرية ضمن اللغات المهددة بالانقراض، وذلك لعدة عوامل، أبرزها تراجع استخدامها لصالح اللغة العربية، واقتصار تداولها على نطاق جغرافي محدود في جنوب عمان، إضافة إلى غياب التدوين المنتظم لها، إذ لا تزال تُستخدم كلغة محكية في المقام الأول.
ورغم هذه التحديات، يواصل أبناء ظفار جهودهم للحفاظ على لغتهم وتراثهم الثقافي، من خلال نقلها بين الأجيال والتمسك بالعادات والتقاليد المرتبطة بها.
ولا تقتصر أهمية اللغة الشحرية على كونها وسيلة للتواصل، بل تمثل وعاء للتراث الشعبي والأدب الشفهي الذي توارثته الأجيال عبر قرون طويلة.
وفي التجمعات الاجتماعية والمناسبات التقليدية، يحرص الرجال في ظفار على ارتداء الأزياء التراثية وإلقاء القصائد القديمة باللغة الشحرية، في مشهد يعكس ارتباط المجتمع بموروثه الثقافي وحرصه على استمراره.
اهتمام عالمي باللغة الشحريةومؤخرًا، لفتت اللغة الشحرية اهتمامًا واسعًا على منصات التواصل الاجتماعي بعد زيارة المؤثر الياباني الشهير يوجي بيليزا لمحافظة ظفار، حيث التقى بعدد من السكان المحليين وحاول تعلم بعض مفردات اللغة في مقطع فيديو حظي بتفاعل كبير.
وأشاد العديد من المتابعين بأهمية الحفاظ على هذه اللغة النادرة بوصفها جزءًا من التراث الإنساني والثقافي.
فكتب أحد المعلقين: " التقاليد الجميلة تستحق الحماية، وأتمنى أن تستمر الأجيال القادمة في تعلم اللغة الشحرية".
بينما أعرب آخرون عن إعجابهم بتمسك المجتمع المحلي بثقافته وعاداته رغم التطورات التكنولوجية المتسارعة.
من جانبه، أوضح الكاتب والروائي محمد الشحري أن مصطلح" الجبالية" يُعد تسمية حديثة نسبيًا، بينما الاسم الأصلي للغة هو" الشحرية" أو" السحرات" كما يسميها أهلها.
وفي حديث للتلفزيون العربي من صلالة، أشار الشحري إلى أن عالم اللغات الإنكليزي جونستون أطلق عليها اسم" الجبالية"، ربما بسبب ارتباطها بالمناطق الجبلية، في حين أن جذورها التاريخية ترتبط بإقليم الشحر المعروف تاريخيًا باسم" شحر عمان"، ومنه جاءت تسمية اللغة الشحرية.
وأكد الشحري أن هذه اللغة ما زالت حية بين أهلها حتى اليوم، وأن تصنيفها ضمن اللغات العربية الجنوبية الحديثة لا يعني حداثة عمرها، بل يعكس منهجًا علميًا في تصنيف اللغات.
وأضاف الشحري أن البنية الصرفية والنظام الصوتي والخصائص اللغوية للشحرية تدل على قدمها العريق، مشيرًا إلى أنها حافظت على سمات لغوية نادرة عبر الزمن.
وأوضح أن محافظة ظفار تضم تنوعًا لغويًا فريدًا، إذ توجد فيها إلى جانب الشحرية اللغة المهرية ولغات أخرى، وهو ما يعكس تاريخ المنطقة بوصفها ملتقى حضارات وثقافات متعددة.
وختم بالقول إن الشحرية ليست مجرد أداة للتواصل اليومي، بل لغة تحمل في طياتها تراثًا أدبيًا وثقافيًا غنيًا، ما يجعل الحفاظ عليها مسؤولية ثقافية تتجاوز حدود المنطقة إلى الاهتمام بالتراث الإنساني العالمي.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك