يبدو أن رئيس الحكومة الإسبانية بيدرو سانشيز قد بدأ تحركاته السياسية من أجل المعركة الانتخابية المقبلة.
ومع أن موعدها لا يزال بعيداً نسبياً (تسعة أشهر على الأقل)، إلا أن الأجواء السياسية والإعلامية والقضائية التي تعيشها حكومة سانشيز نتيجة التداعيات السلبية لقضايا" ثاباتيرو" (قضية الفساد التي تلاحق رئيس الوزراء الأسبق خوسيه لويس ثاباتيرو) و" أبالوس" (وزير النقل الإسباني السابق خوسيه لويس أبالوس) و" لييري" (التي تورطت فيها المسؤولة السابقة والناشطة في الحزب العمالي الاشتراكي الإسباني لييري دييز)، والمرتبطة بالفساد والاختلاس واستغلال النفوذ، فرضت عليه الانتقال من منطق المقاومة وإدارة الوقت، إلى منطق التحرّك المكثف لاستعادة السيطرة على الوضع السياسي ومحاولة ضخّ دم جديد في ما تبقى من ولايته، علّها تنفع من أجل الانتخابات المقبلة.
في هذا الإطار، جاء الاجتماع الاستثنائي للحكومة الإسبانية، الذي عقد الاثنين (29 يونيو/حزيران الماضي) في قصر لا مونكلوا، مقر الحكومة في مدريد، حيث قدّم نائب رئيس الحكومة ووزير الاقتصاد، كارلوس كويربو، قراءة للواقع الاقتصادي الذي يشير إلى نمو بنسبة 2.
6%.
هذا المؤشر الإيجابي لعجلة الاقتصاد، هدفه في المقام الأول سياسيّ بحت: فهو يمنح حكومة سانشيز الأرضية الصلبة كي تطلق رسمياً مشروع الموازنة السياسية للعام، وهو الوعد الذي أطلقه سانشيز أمام الشعب الإسباني بأنه لن يرحل من قصر لا مونكلوا قبل أن يطلق مشروع الموازنة العامة.
تتجه المعارضة لاستثمار التصويت على مبادرتها من أجل إجراء انتخابات مبكرةلكن الأمر ليس بهذه السهولة.
فالتقديرات تشير إلى مواجهة برلمانية شرسة حول مشروع الموازنة، لا سيما مع معارضة يقودها اليمين المحافظ ويدعمها اليمين المتطرف.
وتشير التوقعات إلى أن هذه المعركة ستتم خلال شهر يوليو/تموز الحالي، حيث تعتزم الحكومة تقديم المشروع للتصويت في يوليو، وتبدو احتمالات تمريره ضئيلة، خصوصاً أن الحلفاء أنفسهم ليسوا، كما يبدو، مستعدين للتصويت لأي مشروع تقترحه الحكومة.
فهي" ميتة" كما صرّح حزب" بوديموس" اليساري والحليف، ولا بدّ من" إسقاطها" وتغيير" سانشيز بشخص أكثر توافقاً"، بحسب المقترح غير الملزم الذي صوّت عليه حزب" جونتس" (الداعم لاستقلال كاتالونيا)، في 25 يونيو، وكان طرحه زعيم حزب الشعب اليميني، ألبرتو فيخو، أمام البرلمان.
تقديرات بأن المواجهة البرلمانية ستكون شرسة حول مشروع الموازنةضمن هذا السياق السياسي المستعصي، تحاول الحكومة التقدمية لمّ شمل الحلفاء عبر إقرار مراسيم حكومية دون اللجوء إلى تصويت البرلمان، وهو ما فعلته الاثنين (29 يونيو) في اجتماعها الاستثنائي، حيث أقرّت حزمة جديدة من الإجراءات للتخفيف من تداعيات الحرب في إيران وأزمة الطاقة، وقد وصلت تكلفة هذه الحزمة إلى ما يقرب 2 مليار يورو، وشملت إعفاءات ضريبية، وتخفيضات على الطاقة، مستفيدة من المؤشرات الاقتصادية الإيجابية.
ملف السكن كان أيضاً حاضراً بقوة، إذ يعمل تكتل" سومار" اليساري على صياغة مرسوم يتضمن تمديد العقود السكنية.
ولتجنب فيتو حزب" جونتس" الكتلاني الذي أسقط المرسوم نفسه في مارس/آذار الماضي، تتجه الحكومة نحو استبعاد البنود التي تزعج الحزب، لضمان الحصول على أصواته.
غير أن الخطوة الكبرى التي تعتزم حكومة سانشيز القيام بها هي طرح مشروع نظام تمويل الأقاليم الإسبانية، والذي من شأنه أن يعرض رؤيتها في توزيع الموارد بين الحكومة المركزية والأقاليم، وإبراز أولوياتها السياسية، ومنح إقليم كاتالونيا الموارد التي وُعد بها، وبالتالي إرضاء الأحزاب المحلية هناك، بما في ذلك" جونتس".
حكومة سانشيز تتحضر لمناقشات حارةلن تكون مناقشات شهر يوليو الحالي في البرلمان الإسباني أقل حرارة من موجة الحر التي تجتاح البلاد.
وأبرز هذه المناقشات ستكون نتائج برنامج التسوية الاستثنائية لأوضاع المهاجرين الذي أقرته الحكومة منذ شهرين، والذي تشير التقديرات الأولية إلى أن ما يقرب المليون شخص قدم أوراقه للاستفادة منه.
وفيما تعتبر الحكومة هذه النتائج إنجازاً اجتماعياً وسياسياً واقتصادياً، لأنه سينعكس إيجاباً من حيث اليد العاملة، ونظام الضرائب وغيرها من الأمور، لم تتوقف المعارضة عن انتفاد التسوية وشيطنتها، وربطها بملفات أخرى، مثل مخالفات سياسات الهجرة الأوروبية، وفتح الباب أمام عمليات إرهابية وإجرامية.
الخطوة الكبرى التي تعتزم حكومة سانشيز القيام بها هي طرح مشروع نظام تمويل الأقاليم الإسبانيةإلى جانب هذا كلّه، تبرز أخيراً المبادرة الأخيرة التي قدمها حزب الشعب اليميني، بدعم من حزب" فوكس"، والتي صوّت عليها البرلمان بالأغلبية، وإن كانت غير ملزمة دستورياً، حول إجراءات انتخابات مبكرة أو دعوة سانشيز إلى تقديم استقالته.
لا شك أن المعارضة سوف تستثمر هذه المبادرة سياسياً في كل جلسة برلمانية كي تزيد من ضغطها على الحكومة، وعلى سانشيز بشكل خاص، وخلق انطباع عام أمام الشعب الإسباني بأنه رئيس" غير مرغوب به في برلمانه".

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك