حلقات الفهم لطوابير الانتظار في الجسركلما اشتدت أزمة جسر الملك حسين، الرابط الوحيد مع الضفة الغربية ورئتها التي تتنفس بها، ينصرف النقاش إلى الطوابير الكارثية، وإلى منصة الحجز والناقل الحصري.
الحقيقة أن كل واحد من هذه المشاهد ليس سوى حلقة في سلسلة شائكة، لذلك سأحاول في هذه المقالة أن أتناول القضية على شكل حلقات مترابطة، تبدأ من السؤال الذي يطرحه كل فلسطيني، بل وكل أردني: لماذا وصل الجسر إلى ما وصل إليه من المأساوية؟ وتنتهي عند الإنسان الفلسطيني وحده، فهو الذي يدفع ثمن الاحتلال الإسرائيلي وما تمخض عنه من سياسات مجحفة ومنظومة عبور مرهونة بمزاجية القمع والتنكيل في الجانب الآخر.
إن كل زيادة في أعداد الراغبين بالسفر تصطدم بسقف لا تقرره الجهة الأردنية، وإنما الجانب الإسرائيلي، الذي يغلق عمل الجسر أحيانا لأسباب يتذرع بهاالحلقة الأولى.
حيث تبدأ الأزمةليس من الفهم الصحيح أن يبدأ النقاش من شركة" جت"، الناقل الحصري على الجانب الأردني، ولا من منصة الحجز التابعة لها، ولا حتى من الازدحام نفسه، فهذه جميعها نتائج، على اختلافها، وليست أسبابا، أفضت إلى معاناة فلسطينيي الضفة الغربية وثراء الناقل الحصري.
أما السؤال الأكثر تداولا ومحورية، والمحدد للأزمة الإنسانية، فهو: من الذي يحدد عدد المسافرين الذين يعبرون الجسر يوميا؟ إن الإجابة عن هذا السؤال تقود إلى حقيقة لا يمكن تجاهلها، وهي الجانب الإسرائيلي، فهو الذي يحدد السقف العددي الذي خفض إلى النصف، تزامنا مع سياسة التضييق التي تمارس على سكان الضفة، حتى وصل العدد إلى قرابة 3000 مسافر، بينما كان العدد في الماضي، حسب التقديرات الأردنية والفلسطينية، يتراوح بين 5000 و15000، بحسب المواسم الدراسية بطبيعة الحال.
ولذلك فإن كل زيادة في أعداد الراغبين بالسفر تصطدم بسقف لا تقرره الجهة الأردنية، وإنما الجانب الإسرائيلي، الذي يغلق عمل الجسر أحيانا لأسباب يتذرع بها، أو يقلص ساعات العمل، ما يفضي إلى اكتظاظ خانق وانتظار يصل إلى أيام.
الحلقة الثانية.
تحول الحل إلى محنةاستحدثت الحكومة الأردنية، بالتنسيق مع شركة جت، منصة إلكترونية لتنظيم حركة المسافرين منذ العام المنصرم، بعد أن خفض الجانب الإسرائيلي أعداد العابرين، في حين كان العدد يصل إلى 5000 فلسطيني يوميا.
قد يكون الهدف المعلن من وراء إنشاء المنصة مشروعا، وهو التنظيم ومنع الفوضى والاكتظاظ، ولكن منذ إنشاء المنصة تتكرر روايات متطابقة عن وجود أشخاص يعرضون حجوزات وخدمات (في آي بي) بمبالغ تفوق السعر الرسمي بثلاثة أضعاف، في الوقت الذي تكون فيه المنصة الإلكترونية قد أعلنت اكتمال الحجوزات بالكامل.
وتصل بعض الشهادات إلى الحديث عن اشتراط تهريب بمسمى" احمل معك هالكروزين"، طبعا كميات من السجائر والمعسل، مقابل الحصول على الحجز.
وإذا صحت هذه الوقائع، فإنها تعني أن الفلسطيني لا يجد نفسه مضطرا فقط لدفع مبالغ باهظة كي يصل إلى وطنه، بل قد يدفع أيضا إلى ممارسات مخالفة للقانون.
وهنا لا يكفي نفي الروايات أو تداولها، بل تصبح الجهات الرقابية مطالبة بالتحقيق: من أين تأتي هذه الحجوزات وتصل إلى السوق السوداء وتعتمدها جت، إذا كانت المنصة تعلن اكتمالها؟ وهل توجد ثغرات تسمح بإعادة بيعها خارج القنوات الرسمية؟وسؤال آخر يطرح نفسه: إذا تحسنت الظروف وعادت إلى سابقها، هل ستغلق المنصة؟ أم أنها تحولت إلى جزء دائم من الأزمة؟ ومن هو صاحب القرار في ذلك، الحكومة أم الشركة المشغلة؟لقد كشف التقرير المالي لشركة جت لعام 2025 عن انتقالها من الخسائر إلى تحقيق أرباح تجاوزت مليوني دينار (نحو 2.
8 مليون دولار)، مع ارتفاع كبير في إيرادات خطوط الجسر، وليس في الربح ما يدعو إلى الاعتراض، فكل شركة تعمل من أجل الربح، لكن المشكلة تبدأ عندما تصبح الشركة الناقل الوحيد، وصاحبة منصة الحجز الوحيدة، والمستفيد الأكبر من ازدياد الطلب، في ظل غياب المنافسة.
فهل هناك رقابة كافية على الأسعار والخدمات، بما يضمن ألا يتحول الاحتكار إلى عبء إضافي على المسافر الفلسطيني؟آلاف الفلسطينيين، بينهم أطفال ونساء وكبار سن ومرضى، يقفون ساعات طويلة في حر الأغوار اللاهب، حيث تتجاوز درجات الحرارة في الصيف أحيانا 50 درجة مئويةالحلقة الثالثة.
هل يكفي بناء جسر جديد؟أعلن وزير الداخلية الأردني مازن الفراية عن مشروع لإنشاء جسر جديد بكلفة تقدر بنحو 64 مليون دينار (نحو 90.
2 مليون دولار)، بعد أن وصل إلى الجسر للاطلاع ميدانيا على سير العمل والمعاناة التي يواجهها المواطنون الفلسطينيون، حيث عبر الوزير عن استيائه من حجم الازدحام بعبارة شديدة الدلالة، قائلا: " الوضع زبالة".
مشروع الجسر الجديد المزمع بناؤه مهم من ناحية البنية التحتية، ولكن هل يكفي بناء جسر جديد إذا بقيت السياسة الاستيعابية على الجهة المقابلة كما هي؟ فإذا لم تزد القدرة الفعلية على استقبال المسافرين من الجانب الإسرائيلي، فإن الجسر الجديد قد يخفف الضغط داخل المرافق الأردنية، لكنه لن يزيد عدد العابرين، بل سيعيد توزيع الازدحام على جسرين بدلا من جسر واحد.
ولهذا فإن نجاح المشروع مرتبط، بالضرورة، بالتفاهمات مع الجانب الآخر التي تحكم حركة العبور برمتها.
الحلقة الأخيرة.
الإنسان قبل السياسةوسط هذا الجدل كله، يكاد يغيب الإنسان.
آلاف الفلسطينيين، بينهم أطفال ونساء وكبار سن ومرضى، يقفون ساعات طويلة في حر الأغوار اللاهب، حيث تتجاوز درجات الحرارة في الصيف أحيانا 50 درجة مئوية.
الأردن ليس قادرا وحده على إنهاء الأزمة، لكن من واجبه أن يخفف آثارها الإنسانية، من خلال توسعة قاعات الانتظار وتكييفها، وتطوير الخدمات الأساسية، وتزويدها بالمياه والمرافق، كالمطاعم وما شابه ذلك، للتخفيف من معاناة الانتظار والحفاظ على كرامة الناس، حتى وإن بقيت الأزمة السياسية على حالها ضمن توصيف الجسر بوصفه" معبرا إنسانيا" يحكمه الاحتلال من الجانب الآخر.
ولذلك فإن واقع الاحتلال قد يحجب عن الرأي العام حقيقة أن أزمة الجسر ليست أزمة تنظيم إداري أردنية، بل هي في أصلها نتاج احتلال يفرض نفسه على تفاصيل العبور اليومية، قادت إلى شبكات منظمة" حرامية".

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك