نشرت وزارة الأوقاف نص خطبة الجمعة القادمة بعنوان" ادخلوا مصر إن شاء الله آمنين"، مشيرة إلى ان الهدف المراد توصيله إلى جمهور المسجد: بيان فضل مصر وخصوصيتها، وأن الأمن والأمان أساس استقرار الأوطان ونهضتها، علما بأن الخطبة الثانية تحت عنوان: التحذير من التطاول على الدين بسب أو شتم في أوقات الغضب والمشاجرات.
ادخلوا مصر إن شاء الله آمنينالحمد لله الذي أمن الأوطان بفضله وجوده، وبسط على العباد ظلال كرمه وجوده، وصير الاستقرار سبيلا لعمارة أرضه وشهوده، وأشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن سيدنا محمدا عبده ورسوله، الفصيح في بيانه، البليغ في تبيانه، وعلى آله وصحبه الأبرار، صلاة باقية ما تعاقب الليل والنهار، أما بعد، فيا عباد الله:١- ادخلوا مصر إن شاء الله آمنين: فمصر هبة ربانية، وعناية رحمانية، فأرضها موطن التجليات، ومهد الرسالات، والحصن الحصين، والملجأ الأمين، فحقيقة مكانتها ترتكز على أمان رباني، وفيض إلهي، فهي منار الهدى والضياء، وأرض الفضل والوفاء، وقبلة العلم والعلماء، ومحط الجلال والثناء، عظم الله قدرها في العالمين، ورفع ذكرها في المصلحين، فغدت حصنا للخائفين، ومأمنا للمستجيرين، فقد حل بها الخليل إبراهيم عليه السلام طلبا للاطمئنان، وتبوأ فيها الصديق يوسف عليه السلام أرفع مكان، ونودي فيها كليم الله موسى عليه السلام بالوحي والبيان، واحتضنت عيسى المسيح وأمه العذراء عليهما السلام بالرعاية والحنان، فغدت مصر غوث العباد، وملاذ البلاد، وموئل الأمجاد، يسري فيها سر الأمان والبركة كما يسري الماء في الورد، تصديقا لقول الله تعالى: ﴿وقال ادخلوا مصر إن شاء الله آمنين﴾.
٢- أيها المكرم، كن محبا لوطنك، وحافظ على نعمة الأمن والأمان: وتدبر أسرار الحفظ الإلهي، والرعاية الربانية، فمصر بلد العطايا والمنح الإلهية، جبلها مقدس، ونيلها مبارك، وبطاحها مهبط الرسالات، ومستقر الأولياء والصالحين، فتتبع سير الصحب الأبرار الذين استوطنوا سفح مقطمها، ونزلوا برحابها، وتعلم كيف صان الله هذا الثرى المبارك ببركة دعوات الأنبياء والزهاد، حتى غدت أم العالم، وإيوان الإسلام، وينبوع العلم والصنائع، فمصر معافاة من الفتن بفضل العناية الربانية، ما كادها أحد بسوء إلا كبه الله على وجهه وقصمه، فاجعل فخرك بوطنك مقرونا بالعمل على صون حماه، والذود عن مقدراته، ممتثلا للهدي النبوي الشريف الذي أثنى على أجنادها الأوفياء ورجالها الأقوياء، إذ يقول ﷺ: «تكون فتنة يكون أسلم الناس فيها الجند الغربي»، (قال ابن الحمق: فلذلك قدمت عليكم مصر).
٣- تدبر حقيقة الشخصية المصرية الخالية من الغلو والتطرف: فهي شخصية تنبض بالاعتدال والنقاء، وتثمر في من لاذ بها الطمأنينة والارتقاء، فهي منبع الجود والكرم، ومعدن الشهامة والشيم، تميزت على مر الزمان بالطيبة والسماحة، واتصفت في مواجهة الشدائد بالصبر والرصانة، تجمع بين عزة النفس ولين الجانب، وتفتح قلبها لكل قاصد وطالب، جيشها وصفه الجناب المكرم ﷺ بخير أجناد الأرض، شأنه صون التراب والعرض، وغايته حفظ التوازن في البلاد، واستتباب الأمن بين سائر العباد، فحين تستقيم رؤيتك لعظمة هذا البلد، تدرك أن صونه واجب شرعي، ومطلب فقهي مرعي، فانظر لعظيم الأجر والمكانة في ميزان الشريعة، حين أوصى الحبيب المصطفى ﷺ بأهلها وصية باقية إلى قيام الساعة، فقال: «إنكم ستفتحون مصر، وهي أرض يسمى فيها القيراط، فإذا فتحتموها، فاستوصوا بأهلها خيرا، فإن لهم ذمة ورحما».
٤- تعامل بالوعي مع خطرات الفتن ومكائد الإرجاف: واحذر حبائل التشكيك والإحباط، ومسالك الإجحاف، واجعل حسن الظن بمؤسسات وطنك من أصول الوفاء، والتمس سبل التعمير والبناء؛ لتذوق ثمرات أمان الشعب والأرض، وظلاله المبسوطة على الأنفس والعرض، فأفواه الإفك ومحاضن التضليل تهدد استقرار النفوس بالاضطراب، وتزلزل بنيان المودة والولاء عبر الشائعات والأكاذيب والارتياب، ساعية إلى تبديل طمأنينة الوطن بالفزع والشدة، وهجر الديار، وتفريق الأسرة، فإذا حل الأمن في ربوع الأوطان، ازدهرت معالم الحضارة والعمران، وأقيمت شعائر الدين بلا خوف ولا أحزان، فبادر بالكلمة الطيبة، والوعي الرشيد، دفعا لكل فكر متطرف أو فساد مديد، واعلم أن الأمن في الأوطان عظيم الشأن، قدمه البيان على كفاف العيش في صريح القرآن، ممتنا على العباد بجمع النعمتين في سورة قريش، فقال جل وعلا: ﴿الذي أطعمهم من جوع وآمنهم من خوف﴾.
الحمد لله على إحسانه، والشكر له على توفيقه وامتنانه، وأشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن سيدنا محمدا عبده ورسوله، وبعد:فيا أيها المسلم المكرم، اعلم أن هناك خطورة كبيرة في التطاول على الدين بسب أو شتم في أوقات الغضب والمشاجرات، فغياب التعظيم للمقدسات جدار صامت يهدم المجتمع من داخله، ويقطع أواصر الإيمان في نفوس أبنائه، فمن أخطر ما ابتليت به بعض المجتمعات في عصرنا إطلاق الألسنة بالفحش والسباب، بقلوب لاهية، ونفوس منفعلة؛ إذ العقول باتت أسيرة الغضب، خاضعة لظلام الاندفاع، فحين يغيب الحياء والتعظيم، وهو نبض الحياة، تصبح النفس كشجرة حرمت الماء فتذبل حتى تموت، وتدبر كيف ضرب لنا القرآن أروع الأمثلة في وجوب إجلال شعائر الله، فجعل التقوى ثمرة لتعظيم حرماته، مستهديا بقول الله جل جلاله: ﴿ذٰلك ومن يعظم شعائر الله فإنها من تقوى القلوب﴾.
عش حال المؤمن الحق في حفظ لسانه مع ربه: فالإنسان إن لم يجد في قلبه وازعا مصغيا لنداء الإيمان والتعظيم، سيتساهل في إطلاق الكلمات المهولة في فضاء الخصومات، ومن هنا تتسلل الانحرافات السلوكية بدهاء، وتضيع ملامح الفطرة السليمة؛ فالغضب لا يبرر أبدا التطاول على الدين، وحين تقع الوسوسة أو الكدر في النفوس، يتعين عليك تغليب عبادة السكوت، والالتزام بالوصايا النبوية من استعاذة ووضوء؛ لتستمر في التعلق بجسور النجاة؛ فأحسن إلى قلبك وعقلك، وعود لسانك على ذكر الله والكلام الطيب مدى الأمد، وصن ود الطمأنينة، وافرح بفضل الرقيب الحميد، امتثالا للهدي النبوي الشريف: «وإن العبد ليتكلم بالكلمة من سخط الله، لا يلقي لها بالا، يهوي بها في جهنم».
اللهم ارزقنا ألسنة ذاكرة، وقلوبا معظمة لشعائرك، ونفوسا مطمئنة، واجعلنا من عبادك الصالحين، واحفظ أوطاننا وسائر بلاد العالمين، إنك على كل شيء قدير.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك