برلين- “القدس العربي”: في وقت تحيي فيه ألمانيا الأول من يوليو/تموز بوصفه اليوم الوطني لمناهضة كراهية الإسلام، كشفت أحدث الإحصاءات عن تصاعد غير مسبوق في الاعتداءات ضد المسلمين، وهو ما أعاد إلى الواجهة قضية الصيدلانية المصرية مروة الشربيني، التي تحولت منذ مقتلها داخل محكمة ألمانية عام 2009 إلى رمز لضحايا جرائم الكراهية في أوروبا، وإلى محطة مفصلية في النقاش الألماني حول الإسلاموفوبيا.
وبحسب شبكة CLAIM الألمانية المتخصصة في رصد ومكافحة العداء ضد المسلمين، جرى توثيق 4096 حادثة معادية للمسلمين خلال عام 2025، بزيادة بلغت 33 بالمئة مقارنة بعام 2024، أي بمعدل يزيد على 11 حادثة يومياً.
وتشمل هذه الحوادث اعتداءات لفظية وجسدية، وهجمات على المساجد، وأشكالاً مختلفة من التمييز وجرائم الكراهية، فيما ترجح الشبكة أن يكون العدد الفعلي أعلى بسبب وجود حالات لا يتم الإبلاغ عنها.
وقال عبدالصمد اليزيدي، رئيس المجلس الأعلى للمسلمين في ألمانيا، في تصريح لـ”القدس العربي”، إن استذكار مروة الشربيني لم يعد مجرد مناسبة لتكريم ضحية، بل يمثل تذكيراً بأن كراهية الإسلام أصبحت تحدياً حقيقياً للمجتمع الألماني وللقيم الديمقراطية التي تقوم عليها الدولة.
وأضاف أن العداء للمسلمين لا يهدد المسلمين وحدهم، بل يهدد أيضاً السلم المجتمعي وسيادة القانون، داعياً إلى التعامل مع الظاهرة باعتبارها قضية تمس المجتمع بأكمله، وليس شأناً يخص أقلية دينية فقط.
وتعود جذور هذه المناسبة إلى الأول من يوليو/تموز 2009، عندما قُتلت مروة الشربيني، وهي صيدلانية مصرية كانت تقيم في ألمانيا، طعناً داخل قاعة محكمة مدينة دريسدن أثناء حضورها جلسة استئناف في قضية رفعتها ضد رجل وجّه إليها إهانات عنصرية بسبب ارتدائها الحجاب.
وأمام القاضي والحضور، هاجمها المتهم بسكين موجهاً إليها عشرات الطعنات، بينما أصيب زوجها أيضاً بعدما أطلقت الشرطة النار عليه عن طريق الخطأ خلال حالة الارتباك التي أعقبت الاعتداء.
وهو ما كانت صحيفة “القدس العربي” السباقة في كشف ملابسات القضية والتي عانت من كتمان إعلامي في بدايتها.
وأثارت الجريمة آنذاك صدمة واسعة في ألمانيا والعالم العربي، كما طرحت تساؤلات بشأن تنامي خطاب الكراهية ضد المسلمين.
ومع مرور السنوات، اعتمدت ألمانيا الأول من يوليو/تموز يوماً وطنياً لمناهضة كراهية الإسلام، في خطوة هدفت إلى ترسيخ الوعي بخطورة التحريض القائم على الدين.
وفي الأيام الأولى التي أعقبت الجريمة، لم تحظ القضية بالاهتمام الإعلامي الذي اكتسبته لاحقاً، قبل أن تتكشف تفاصيلها تدريجياً وتتحول إلى قضية رأي عام داخل ألمانيا وخارجها.
وكانت “القدس العربي” من أوائل الصحف العربية التي واكبت القضية من ألمانيا، في وقت كانت فيه المعلومات حول ملابسات الجريمة لا تزال تتكشف تباعاً.
وحذر اليزيدي، في تصريحه لـ”القدس العربي”، من أن الاعتداءات التي تستهدف المسلمين لا تبدأ عادة بأعمال العنف، بل بخطابات ومواقف تحريضية قد تصدر عن شخصيات سياسية أو إعلامية، ثم تتحول مع الوقت إلى مناخ يسمح بالتمييز والإقصاء، وصولاً إلى الاعتداءات الجسدية.
وأكد أن انتقاد تصرفات أفراد أو جماعات متطرفة لا ينبغي أن يتحول إلى تعميم يطال ملايين المسلمين، مشدداً على أن مبدأ المسؤولية الفردية يمثل أحد الأسس الجوهرية للدولة الديمقراطية.
كما دعا إلى مراجعة استخدام بعض المصطلحات المتداولة في الخطابين السياسي والإعلامي، مثل “الإسلام السياسي” و”الإسلاميون”، معتبراً أن توظيفها بصيغ عامة يسهم في ترسيخ الصور النمطية وربط الإسلام كدين بالتطرف، بدلاً من تسمية الجماعات المتشددة بأسمائها المحددة.
ودعا رئيس المجلس الأعلى للمسلمين في ألمانيا، في ختام تصريحه لـ”القدس العربي”، دول العالم الإسلامي إلى منح ملف مكافحة كراهية الإسلام أولوية أكبر في تحركاتها الدبلوماسية والثقافية والحقوقية، مؤكداً أن مواجهة الظاهرة تتطلب تعاوناً بين الحكومات والمؤسسات المدنية والإعلام، ولا يمكن أن تقع على عاتق المسلمين وحدهم.
وبعد سبعة عشر عاماً على مقتل مروة الشربيني، تبدو القضية، في نظر كثيرين، أكثر من مجرد ذكرى لجريمة مروعة؛ فهي مرآة تعكس تحدياً لا يزال قائماً داخل المجتمع الألماني.
وبينما تكشف الإحصاءات عن استمرار تصاعد الاعتداءات ضد المسلمين، يبقى السؤال مطروحاً حول مدى نجاح السياسات والإجراءات المتخذة في الحد من خطاب الكراهية ومنع تحوله إلى عنف، كما حدث في ذلك اليوم الذي فقدت فيه مروة الشربيني حياتها داخل قاعة محكمة كان يفترض أن توفر لها الحماية.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك