تتواصل مؤشرات التدهور المعيشي في سوريا مع اتساع الفجوة بين الأجور وتكاليف الحياة، في وقت يؤكد فيه خبراء اقتصاد أن البلاد لم تدخل بعد مرحلة التعافي الحقيقي، بسبب بطء استعادة النشاط الإنتاجي وغياب خطة اقتصادية شاملة لمعالجة الأزمة، بالتزامن مع استمرار ارتفاع الأسعار وتراجع القدرة الشرائية للمواطنين.
اقتصاد لم يدخل مرحلة التعافييرى الخبير الاقتصادي والباحث في شؤون الطاقة، زياد عربش، الأستاذ في كلية الاقتصاد بجامعة دمشق، أن تردّي الأوضاع المعيشية في سوريا يعود إلى تداخل عوامل داخلية وخارجية، مؤكداً أن الاقتصاد السوري لا يزال بعيداً عن التعافي.
وقال عربش، في حديث لشبكة رووداو الإعلامية، إن" المشهد الاقتصادي في سوريا لا يزال معقداً نتيجة تداخل عوامل داخلية مع عوامل خارجية"، مشيراً إلى أن النشاط الاقتصادي لم ينطلق بصورة حقيقية بعد تحرير التجارة الخارجية وإغراق الأسواق بالسلع المستوردة، مقابل صعوبة استعادة الأسواق التصديرية السورية.
وأضاف أن ارتفاع تكاليف الإنتاج، ولا سيما بعد رفع أسعار الكهرباء ومدخلات الإنتاج، " حال دون تعافي النشاط الاقتصادي، بل أدى إلى تراجع القدرة الشرائية للمواطنين".
قطاع الطاقة يحتاج إلى وقتوأشار عربش إلى أن رفع الرواتب والأجور لم يكن كافياً لمعالجة الأزمة، موضحاً أن قطاع الطاقة ما زال يحتاج إلى سنوات لاستعادة قدرته الإنتاجية.
وقال: " إعادة تشغيل الآبار النفطية تحتاج إلى سنة أو سنة ونصف، بينما يتطلب رفع إنتاج الغاز عامين على الأقل"، مبيناً أن زيادة الإنتاج ستؤدي مستقبلاً إلى خفض فاتورة استيراد النفط ومشتقاته، وتهيئة الظروف لتحقيق عوائد من تصدير النفط والفوسفات.
وانتقد غياب خطة اقتصادية واضحة، مؤكداً أن" المطلوب اليوم هو تبني خطة اقتصادية متكاملة تقوم على دعم الإنتاج المحلي، ليس فقط لتأمين سبل العيش، وإنما أيضاً لتعزيز السلم الأهلي".
وفيما يتعلق بالسياسة النقدية، رأى أن تحسن سعر صرف الليرة السورية خلال الأسبوعين الماضيين لا يعكس تحسناً اقتصادياً حقيقياً، قائلاً: " لا توجد مؤشرات اقتصادية تبرر هذا التحسن، باستثناء بعض الإجراءات الحكومية".
وختم حديثه بالتأكيد على أن" المطلوب هو إطلاق عملية تعافٍ اقتصادي حقيقية تؤدي إلى تنشيط الإنتاج، وخلق فرص العمل، وتأمين سبل العيش للمواطنين"، مشدداً على ضرورة دمج الفئات الهشة، بما فيها اللاجئون العائدون، في عملية التنمية لضمان الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي.
مؤشر قاسيون: الأجور لا تكفي سوى لأيام معدودةوتتوافق هذه القراءة مع أحدث المؤشرات الاقتصادية الصادرة في سوريا، إذ أظهر مؤشر قاسيون لتكاليف المعيشة، الذي نشرته صحيفة قاسيون الأسبوعية الصادرة في دمشق، أن متوسط تكلفة معيشة أسرة سورية مكوّنة من خمسة أفراد بلغ نحو 12.
78 مليون ليرة سورية خلال النصف الأول من عام 2026، بينما وصل الحد الأدنى اللازم للمعيشة إلى نحو 7.
99 ملايين ليرة.
ووفق الدراسة، فإن الحد الأدنى الرسمي للأجور، البالغ 1.
256 مليون ليرة شهرياً، لا يغطي سوى نحو ثلاثة أيام فقط من متوسط احتياجات الأسرة، وأقل من خمسة أيام وفق الحد الأدنى لتكاليف المعيشة، ما يعكس اتساع الفجوة بين الدخول والأسعار.
كما بيّن المؤشر أن متوسط تكاليف المعيشة ارتفع خلال الربع الثاني من العام بنسبة 2.
2%، مدفوعاً بزيادة أسعار عدد من السلع الأساسية، أبرزها الخبز والأرز والفواكه والحلويات، إلى جانب ارتفاع تكاليف السكن والنقل والتعليم والرعاية الصحية، رغم انخفاض أسعار بعض المواد، مثل اللحوم والبيض والخضروات الموسمية.
وتعليقاً على نتائج مؤشر قاسيون، قال الخبير الاقتصادي بشير حسن، من مدينة قامشلو، لشبكة رووداو الإعلامية، إن الفجوة بين دخول المواطنين ومتطلبات الحياة اليومية باتت تتسع بصورة غير مسبوقة.
وأضاف: " هناك فجوة كبيرة بين رواتب الموظفين وتكاليف الحياة اليومية.
الفجوة كبيرة جداً.
الحد الأدنى للأجور، بحسب مرسوم رئاسي، هو مليون و256 ألف ليرة سورية، في حين يبلغ الحد الأدنى لتكاليف معيشة أسرة واحدة نحو 9 ملايين ليرة سورية، بينما تحتاج الأسرة إلى نحو 14 مليون ليرة لتأمين حياة طبيعية".
وتساءل حسن: " الراتب الشهري لا يكفي لمدة أسبوع.
حسناً، كيف سيتم تدبر أمور الأيام الخمسة والعشرين المتبقية؟ هذا السؤال موجّه إلى الحكومة المؤقتة".
وتنسجم هذه التقديرات مع ما أورده مؤشر قاسيون، الذي أظهر أن الحد الأدنى الرسمي للأجور لا يغطي سوى بضعة أيام من الاحتياجات الأساسية للأسرة السورية، في ظل استمرار ارتفاع الأسعار وتراجع القدرة الشرائية.
احتجاجات تطالب بخفض الأسعار وتحسين الخدماتوفي ظل استمرار الضغوط المعيشية، شهدت مدينة قامشلو وعدد من المدن السورية خلال الفترة الماضية وقفات احتجاجية شارك فيها مواطنون للمطالبة بتحسين الأوضاع الاقتصادية والخدمية.
ورفع المشاركون شعارات تدعو إلى خفض أسعار السلع الأساسية، وتحسين القدرة الشرائية، وتوفير الخدمات العامة، ولا سيما الكهرباء والمياه، مؤكدين أن تدهور الأوضاع المعيشية بات يشكل التحدي الأكبر الذي تواجهه الأسر السورية.
وتأتي هذه التحركات في وقت تتزايد فيه الدعوات إلى تبني سياسات اقتصادية أكثر فاعلية لدعم الإنتاج المحلي، وكبح ارتفاع الأسعار، وخلق فرص عمل، بما يسهم في تخفيف الأعباء عن المواطنين واستعادة قدر من الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك