تذكر المصادر والمراجع التاريخية إن أول من قام ببناء القبة على الحجرة الشريفة في المسجد النبوي الشريف بالمدينة المنورة هم المماليك؛ إذ أن بناء القبة كان في منتصف القرن السابع الهجري، وتحديداً سنة 678هـ في عهد السلطان الملك المنصور قلاوون الصالحي، الذي قام ببنائها على الحجرة الشريفة، ولم يكن قبل هذا التاريخ عليها قبة ولا بناء مرتفع، وكانت مربعة في أسفلها مثمنة في أعلاها، وصُفحت بألواح من الرصاص، لكن ما الذي كان موجودا قبل القبة؟
كان هناك حظيرًا حول الحجرة الشريفة فوق سطح المسجد، وكان مبنياً بالأجر، وهي مادة من مواد البناء تُستخدم في إنشاء الجدران والسقف، وكان ارتفاعاها مقدار نصف قامة، بحيث يُميز سطح الحجرة الشريفة عن سطح المسجد.
القبة النبوية في العهد الملوكيوقد أورد مصطفى بن محمد بن عبد الله بن العلوي الرافعي السوداني صاحب كتاب «إتحاف المؤمنين بتاريخ مسجد خاتم المرسلين» وصفًا للبناء الذي فوق القبر الشريف بقوله: " عُمل من أخشاب أقيمت وسُمرت عليها الألواح من خشب، وسُمر على الألواح الرصاص، وعُمل مكان الحظير من الآجر شباك خشب، وتحت السقفين أيضاً شباك خشب يحاكيه، وعلى سقف الحجرة الشريفة بين السقفين ألواح قد سُمر بعضها ببعض، وسٌمر عليها ثوب مشمع، وفيها طابق مقفل".
ويذكر كذلك عن البرزنجي أن القبة المذكورة جُددت أيام الملك الناصر حسن بن محمد بن قلاوون، وجُدد ألواح الرصاص التي كانت عليها أيام الملك الأشرف شعبان بن حسين بن محمد في سنة 765هـ، وكذا في دولة الظاهر جقمق فأحكم ذلك، وأُصلح على يد الأمير برد بك المعمار أيام عمارته بالمسجد الشريف.
ثم حدث أنه نشب حريق في عهد الملك الأشرف قايتباي سنة 886هـ، وكان هذا الحريق الثاني، ومما سبق نجد أن القبة كانت مبنية من الخشب المُطعم بالرصاص، أما في زمن الأشرف قايتباي فبنيت بأحجار منحوتة من الحجر الأسود وكُملت من الحجر الأبيض كما ذكر السمهودي: "، وارتفاع القبة من أرض الحجرة إلى محل هلالها ثمانية عشر ذراعاً والحيز الظاهر الذي عليه الكسوة مانع عن مشاهدتها بأرض المسجد".
وهنا لابد أن نوضح أنه عندما تم بناء القبة الكبيرة على القبة التي فوق الحجرة فقد ذكر البرزنجي وكذلك السمهودي أنهم بنوا فوق هذه القبة قبة أخرى عظيمة بعد أن اتخذوا لها دعائم وأساطين وقرنوا إلى بعض الأساطين اسطوانة أخرى بأرض المسجد حول الحجرة الشريفة، حيث قال السمهودي: " ثم لما تمت هذه القبة تشققت أعاليها فرممت فلم ينفع الترميم فيها لخسة مؤونتها ففوض الأشرف قايتباي للشجاعي شاهين النظر في ذلك فأقتضى الرأي بعد مراجعة أهل الخبرة هدم أعاليها واختصار بسير منها فأتخذ أخشاباً في طاقتها، واتخذ سقفاً هناك يمنع ما يسقط عند الهدم بالحجرة الشريفة فأعاد بناءها مع الإحكام بجبس أبيض حمله معه من مصر، واتخذ أساقيل شرقي المسجد لصعود العمال في عمارتها، ولم تنتهك حُرمة المسجد بمرورهم ولا يعمل شيء من الصنائع كنحت الأحجار ونجر الأخشاب بحيث صار أهل المسجد في دعة وسكون وكأن العمارة ليست به وكان ذلك في عام 892هـ".
عمارة القبة الخضراء في العصر العثمانيأما في العهد العثماني، وتحديداً في عهد السلطان محمود الثاني والد السلطان عبدالمجيد الأول تم عمل بعض الترميمات في القبة، وفي عهده تم تغير لون القبة الخضراء من اللون الأبيض إلى اللون الأخضر وذلك في سنة 1253هـ، حيث ورد الأمر من الملك المذكور أواخر ملكه أن يصبغ القبة باللون الأخضر فكان السلطان محمود العثماني أول من صبغ القبة الشريفة بالأخضر، وكان قبل ذلك لونها أزرق على لون ألواح الرصاص التي جعلت عليها، ثم لم يزل يجدد الصبغ المذكور كلما مرت أعوام حتى أيامنا ويؤكد مصطفى مدني صاحب كتاب" إتحاف المؤمنين بتاريخ مسجد خاتم المرسلين" أنه يتم إعادة صبغ القبة الخضراء كلما مرت أعوام إلى عامنا هذا، وهو يقصد في ذلك الحقبة التي عاش فيها وهي سنة 1289هـ ثم قال بعد كلام: " وهي التي تعرف الآن بالقبة الخضراء، وكانت تعرف بالبيضاء والزرقاء كما في كلام السمهودي وغيره والله أعلم".
ويذكر على حافظ في كتابه" فصول من تاريخ المدينة": " وسُميت بالقبة الخضراء بعد أن صبغها بالأخضر، ويقصد السلطان محمود الثاني وكانت تعرف بالبيضاء والفيحاء والزرقاء، فالقبة الخضراء التي تشرفت أن يكون تحتها الحجرة الشريفة التي تضم الجسد الشريف قد بنيت قبل سبع قرون في منتصف القرن السابع الهجري، ولم تصبغ باللون الأخضر إلا في نهاية العهد العثماني أي قبل 182 سنة تقريباً، وما زال صرح العمارة الإسلامية قائم ولا يزال كل الملوك يتشرفون بالتفاني في خدمة المسجد النبوي الشريف وخدمة المدينة المنورة على ساكنها أفضل الصلاة والسلام.
الأثري عبد الله إبراهيم موسىمدير منطقة آثار مرسى مطروح للآثار الإسلامية والقبطية.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك