لم يكن انخراطها في صفوف الجماعة يوماً نابعاً عن قناعة، ولا كان مجرد وراثة عابرة، بل كان أشبه بتوصيف «أبناء العاملين»، تلك الصيغة التي تجعل من المصير مساراً مرسوماً سلفاً، وبحكم موقع والدها في مستوى قيادي، لم تكن مسألة الخروج عن هذا الإطار خياراً مطروحاً من الأساس، إذ جرت العادة في عائلات قيادات الإخوان ألا يسمح للأبناء بالخروج بعيداً عن الفلك التنظيمي، بل يتم غرسهم في قلب الجماعة منذ نعومة أظفارهم، وسواء أدرك الصغار حقيقة ما هم فيه أم غاب عنهم الإدراك، تظل الحقيقة الثابتة أنهم في صلب التنظيم.
ما بعد 30 يونيو.
تغيير الاستراتيجياتصحيح أن «30 يونيو» غيرت كثيراً في أوضاع الإخوان، في بقائهم واستقرارهم، وأحالتهم إلى مربعهم الذي يناسبهم تنظيماً إرهابياً، لكن «سارة» ترصد من موقعها الغريب «ابنة قيادي وعضوة ومنشقة وثائرة»، الاستراتيجية التي يتبعونها من بعد 30 يونيو وحتى الآن، حيث فعلت الجماعة وضعية «الأرض مقابل الزمن»، والتي تعني القبول بخسارة الأرض في مقابل كسب زمن كاف لبناء التنظيم من جديد كما يجب أن يكون، حتى يتمكنوا من العودة مرة أخري تحت ستار تلك الفترة الزمنية.
وتكشف «سارة» عن تكتيك الجماعة في مواجهة انكشاف رجالها أمام الأمن، حيث اتجهوا لاستراتيجية بديلة بالبحث عن عناصر لا تملك ملفات أمنية، مستهدفين الجامعيين أو من كانوا «أشبالاً» وقت أحداث رابعة، فأولئك كانوا أطفالاً ولم ترصد لهم ملفات أمنية، خاصة أنهم ليسوا «أبناء جماعة» بالوراثة، حيث تعتمد قواعد البيانات الأمنية غالباً على الربط العائلي، وتوضح أن الجماعة تستقطب هؤلاء من كل مكان، سواء من النوادي العادية أو المدارس التي تضم مدرسين تابعين لهم، مشيرة إلى أن الرهان الحقيقي للتنظيم الآن ليس على الكبار أو المتعاطفين أو أصحاب المصالح، بل على هؤلاء الصغار الذين يتم إعدادهم.
وتتوقف «سارة» عند «اللعب على العاطفة» كجزء أساسي من إعداد هذا الجيل، مستغلين ذكري رابعة وما ارتبط بها من صور دماء وتجاهل للمنظور الحقيقي لما حدث؛ حيث يتم شحن الأطفال الذين حضروا تلك الفترة بعيداً عن العقل، وتربيتهم بـ«أثر الصدمة» حتى يكبروا ويصبحوا جاهزين للانطلاق في المجتمع.
التنظيم طور أدواته من بعد «30 يونيو».
وقياداته الجدد تعلموا الإعلام والتواصل فى أمريكا وأوروباتشرح كيف يرى التنظيم نفسه في «معركة دائمة» مع المجتمع والناس، استناداً لتعاليم حسن البنا التي رسخت أن الجماعة شيء منفصل وفي مواجهة مجتمع وصفه بـ«الجاهل» وحكومات لا تطيقهم، هذا المنطق يبرر لهم استخدام استراتيجيات حربية حتى في فترات السكون الظاهري، بانتظار الظروف المواتية للظهور مجدداً بوجوه جديدة، لكن الأخطر في هذه المرحلة هو «تطوير المناهج»، فالجماعة لم تعد تكتفي بالأساليب القديمة، بل أرسلت أعداداً كبيرة من كوادرها للدراسة في جامعات أوروبية وأمريكية ليتعلموا الإعلام الحديث، ليعودوا بـ«علام أمريكاني» يضمن لهم إدارة إعلامية واعية تتلافى فشلهم.
التربية الجهادية كانت مرتبطة بالسيرة النبويةوحتى مفهوم «التربية الجهادية» طاله التحديث، فبعد أن كان مرتبطاً بالسيرة النبوية والمعارك التاريخية، أصبح يتضمن الآن دراسة دوريات عسكرية عالمية وأبحاثاً من كليات حربية دولية متاحة برغم ندرتها في الداخل، وتهدف الجماعة من وراء هذا الشحن الثقافي والعسكري المتطور بحسبها إلى بناء كوادر قادرة في المرة القادمة على السيطرة على مفاصل الجيش والداخلية بوعي وتقنية، لتجنب «الحوسة» والارتباك الذي واجهوه في عام 2013 عندما عجزوا عن فرض سيطرتهم الكاملة.
اعتمد التنظيم على الجيل المرفه المولود فى أوروبا وأمريكا لقيادة الجماعةترسم «سارة» ملامح الجيل القادم للتنظيم، محذرة من أنه جيل مختلف تماماً، فلن يكونوا أولئك الذين «تعفنوا في السجون»، ثم خرجوا ليحكموا، بل نحن أمام جيل مرفه، عاش في أوروبا وأمريكا، فهذا هو المشروع الذي يعملون عليه الآن، بما في ذلك استراتيجيات إخفاء الأموال عبر مؤسسات لم تعرف بعد، تدار بأسماء أشخاص لا توجد عليهم أي شبهة أمنية، ومن خلال «عقود من الباطن» يستحيل معها على الدولة إثبات تبعيتها للتنظيم أو الحجز عليها، إذ لن يخطر ببال أحد أنها تابعة للجماعة.
وتكشف «سارة» عن استخدام التنظيم لما وصفته بـالتمويه، حيث يتركون القيادات المعروفة تتصدر المشهد الإعلامي بخناقاتهم العادية ليتسلي الناس بها ويظنون أن هذه هي الجماعة، بينما تجري عمليات البناء الحقيقية في مسارات أخري، وهي خطة ليست بجديدة عليهم؛ فقد فعلوا شيئاً شبيهاً بذلك أيام «عبدالناصر»، الذي كان يظن أنه مسيطر عليهم تماماً، بينما كانوا يبنون أنفسهم بطريقة ثانية، واليوم يعيد التنظيم إنتاج نفسه وفق ظروف كل دولة، خاصة بعدما «اتحط عليه» في العالم كله، فأصبح مخيراً بين الاستسلام التام أو الاستمرار عبر «غسيل السمعة والأموال وكل شيء»، بحسب وصفها.
محاولات استقطابها من جديدورغم البعد الذي مارسته عن الجماعة منذ طفولتها، ومحاولتها الاختلاف عن مسار ابنة القيادي، ما زال التنظيم يحاول استقطابها مجدداً، حيث عرض عليها وعلى والدتها السفر للخارج وتوفير كل سبل الرغد مقابل ادعاء أن تصريحاتها ضد الجماعة كانت تحت ضغط أمني، ومع الرفض المتزايد تتجدد العروض وتزيد الإغراءات لكنها صمدت في وجه كل المحاولات.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك