تختلف الأيام وتتشابه الأحداث، أو العكس، ولا شىء يخلو من دلالة.
الخاص يتّسع ليغدو عموميًّا، وقد يضيق العام حتى أنه لا يستوعب فردًا يستذكر ماضيه، ويستصحب معه ما أحب من لحظات، أو يجِدّ بكل السُّبل لإسقاط ما يكره.
قبل سنة من اليوم، احتفل ترامب بأنه تدخّل فى الوقت المناسب، لفض الاشتباك بين إسرائيل وإيران.
كانت الأجواء ساخنة، لكنه أحرز هدفًا بلا ردٍّ تقريبًا.
أمّا الآن، فعليه أن يُفكّر قبل أن ينطق، وكعادته لا يفعل، كما أنه توقّف عن إحراز الأهداف، ما يعنى حرمانه من الاحتفال!حُبِّرت مذكرة التفاهم فى إسلام آباد، وحُبِّرت فى لوسرن السويسرية، وما أضافت شيئًا عمّا جرت به الأمور فى السنة الماضية، اللهم إلا الوعود والأطماع، وشراء الوقت من الطرفين.
فى آخر أيام يونيو قبل الأخير، كانت واشنطن قد طبعت أصابعها على وجه طهران، وتلقّت رسالتها المُهذّبة فى صحراء قاعدة العُديد القطرية، وانتهت الأمور على ما يُريحهما معًا، ويُحفز نتنياهو على جولة ثانية.
وما أخلف عجوز الليكود الظنّ، ولا أرخى حبال الانتظار بلا حساب.
أثار الغبار خلال الشهور التالية، حيَّد مسار التفاوض المُتقطّع بين الولايات المتحدة والجمهورية الإسلامية، وأقنع سيد البيت الأبيض بالضربة المُشتركة، وما يزال على محاولاته الآن، والغريمان بين بين!مرّت علينا أمس ذكرى ثورة 30 يونيو.
ثلاث عشرة محطّة يصح أن نتوقّف هنيهة على كلٍّ منها، بل يتوجّب، وقبلها المقدّمات التى قادت إليها، فالتداعيات، والسيناريوهات التخيُّليّة عمَّا كان يتهدّد البلاد والعباد، لو أن الواقعة - لا قدَّر الله - لم تقع على الموعد.
استخلاص للوطن وهُويّته، فدفاع عن أمنه واستقراره، وحرب مُضنية مع الإرهاب بدمٍ غالٍ، وحروب مُركّبة مع العمالة والدعايات بنزيف مُضاعَف من الوقت والاقتصاد ومصالح الناس.
ولعلّها دالّة للغاية، أن تتزامن المناسبة مع أخرى أقدم منها بأزيد من أربعة عقود.
عندما بُنِى حائط الصواريخ باتجاه الجبهة الشرقية، فكان إيذانًا بتحجيم الطيران العبرى، وموعدًا لعيد الدفاع الجوىّ.
هُزِمنا فى يونيو 1967 لأسباب مُتداخلة: خفّة السياسة وتهوّرها، سوء الإدارة مع التعامى عن التوازنات، وفارق القوّة والاستعداد، والمُباغتة التى سمحت للمُقاتلات أن تهضم الأرض بمَن عليها فى ساعات.
رُفِع جدار الصواريخ، فأرخى ستارًا كثيفًا على سماء البلاد.
لكن الاختراق فى يناير 2011 جرى من الداخل، وعلى طريقة تُشبه «حصان طروادة»، فكانت يونيو خطّ الدفاع الأرضى.
والروزنامة، كما يُسمّيها الفُرس، واسعة مثل حصيرة الصيف كما يقول أهل الريف فى مصر.
لليوم الواحد رئة تحتوى هواء العالم، وما من بلدٍ إلا له حادثة وأحاديث فى كلِّ طلعة شمس.
دار الزمن دورة كاملة، على ما يبدو.
أعلن الصهاينة دولتهم فى مايو، وحققوا انتصارهم الأول مزدوجًا، بالسياسة والسلاح.
قفزوا الجدار فى يونيو، فقضموا أرضًا من ثلاث دول.
وعضّ الفلسطينيون أصابعهم بالفوضى فى أحداث أيلول/ سبتمبر بالأردن، وغادروا لبنان فى أغسطس بعدما أورثوه احتلالاً أنقذته منه اتفاقية الهُدنة فى 1949.
ثم قلب الحماسيون الطاولة عليهم، وعلى أنفسهم فى أكتوبر، وعُدنا إلى عادتنا مع مآسى الصيف!المُصادفة وحدها ضربت موعدًا لثورة المصريين قبلها بسنة كاملة، إذ ارتبط الاختيار بأنه اليوم الذى أدّى فيه مندوب الإخوان إلى الرئاسة يمين المنصب، وانطلق مع جماعته فى خيانة المسؤولية والتعهُّدات.
ولعلّه من مكر القدر أيضًا، أن يموت فى التاريخ نفسه، وبالتزامن مع مراسم التنصيب، السفاح إسحاق شامير، رئيس وزراء إسرائيل الأسبق، أحد مُجرمى العصابات الصهيونية فى زمن النكبة وما قبلها وبعدها.
وعلى كل حالٍ فقد كتب مرسى لأحد ورثته «عزيزى بيريز».
وقبل نصف القرن، كان قد رحل شكرى القواتلى، الرئيس السورى صاحب التوقيع على ميثاق الوحدة مع مصر، إذ رضخ لرغبة الشعب والجيش فى بلاد، ونزل عن منصبه وفاء بشرط عبد الناصر، أن يكون الاتحاد اندماجيا لا فيدراليا، والعاصمة فى القاهرة.
كان وفيًّا لفترة منفاه فى أم الدنيا، ولعلّ قلبه انخلع بانقضاء الحلم بعد ثلاث سنوات وعِدّة أشهر، لكنه ظلّ يتعكّز على أطلال الأيام الخوالى، حتى وافته المنية بعد ثلاثة أسابيع تقريبا من النكسة، فكأنه لم يحتمل وراثة العدوّ الأول، لحلم القومية الأكبر!تحتفل الكونغو بالاستقلال مع احتفالنا بالخلاص من الأُصولية، ولديهم آمال مُعلّقة من زمن الموجة التحرُّرية، وأعباء يُسددونها عن الماضى، والامبريالية التى غيّرت شكلها وما تغيّر سلوكها.
وفى العراق يحمل التاريخ صفة «يوم السيادة الوطنية»، وكانت مُخصخصة فى زمن البعث لصالح الزعيم، ثم اغتصبها الأمريكيون بالاحتلال، وسلّموها للإيرانيين بالتراخى والمواءمات الرمادية، وآلت إلى الاقتسام بين حرس الثورة وشبكة الميليشيات الولائية وجماعات الفساد والمصالح المشبوهة.
فى يونيو، كما فى غيره، تنزف ذاكرة لبنان أحداثًا ودمًا وانتكاسات.
يحتفل حزب الله بتضمينه فى صفقة طهران مع واشنطن، ويستهجن أن تُفاوض الدولة عن نفسها، ويقدح فى الرئيس والحكومة، وما اعتذر عمّا جناه على البلد، ولا قدّم بديلاً!والحال، أن اتفاق الإطار الموقّع قبل أيام يحمل روائح يونيو الستينيات، ولا يخلو من بشائر يونيو الخلاص من الأصولية والميليشيات، وكما على السلطة الشرعية الموازنة بين الممكن والمأمول، فعلى الطابور الخامس أن يخجل قليلاً من وضاعته الزاعقة.
كان نبيه برّى أكثر رُشدًا، إذ أمسك العصا من خاصرتها، بلا إفراط ولا تفريط، وإن كان يُجارى ميليشيا الحزب، ولا يُظهر موقفًا صريحًا من الاستتباع لصالح إيران.
وأوفق ما قاله الاستعارة من علىّ بن أبى طالب، عن التحذير من زمن الفتنة وأن تكون فيها «كابن اللبون، لا ظهرَ فيُركَب، ولا ضرع فيُحلَب».
ساخنة أيام يونيو، وكذلك أحداثه المنقضية والعابرة بآثارها على وجه الأيام.
وسيظل يحتطب مع السنين، إنما لن تنفد دروسه ومواعظه، ولا وهج محطّاته اللامعة.
وعلى قسوة أحزانه، فإنه كريم فى أفراحه أيضًا، كالثورة وعيد الدفاع الجوى، حماية سماء الوطن، وإطلاق رصاصة على الأُصولية والإرهاب وتديين الخيانة والاتجار بالاعتقاد.
وإعادة الاعتبار للدولة الوطنية، ووضعها فوق التطييف والمذهبية والملشنة ودويلاتها المُصطَنَعة.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك