غزة أول يوليو 2026 (شينخوا) لم تكن عودة عشرات الفلسطينيين إلى قطاع غزة نهاية رحلة الغياب بقدر ما تحولت إلى بداية معاناة جديدة، بعدما وجدوا أنفسهم أمس الثلاثاء لأول مرة أمام إجراءات تفتيش إسرائيلية مستحدثة داخل معبر كرم أبو سالم، وسط شكاوى من فقدان مقتنيات عقب عمليات الفحص.
ووصف عائدون فلسطينيون رحلتهم بأنها" مرهقة ومليئة بالتعقيدات"، إذ لم تنتهِ إجراءات العبور عند معبر رفح كما كانوا يعتقدون، بل نُقلوا لاحقًا بحافلات إلى نقطة تفتيش إسرائيلية جديدة داخل معبر كرم أبو سالم / كيرم شالوم حيث خضعوا لسلسلة طويلة من الإجراءات الأمنية قبل السماح لهم بالدخول إلى قطاع غزة.
ويقول أحمد سمارة (45 عاما)، الذي عاد من مصر بعد رحلة علاج وإقامة قسرية خارج غزة، لوكالة أنباء ((شينخوا)) إن فرحته بالعودة إلى منزله تبددت بعدما فوجئ بإجراءات تفتيش إضافية لم يكن يتوقعها.
ويضيف أن المسافرين اعتقدوا أن رحلة العبور انتهت بمجرد استكمال الإجراءات في معبر رفح، إلا أنهم نقلوا لاحقا إلى نقطة تفتيش إسرائيلية جديدة.
وأكدت مصادر فلسطينية لـ((شينخوا)) أن السلطات الإسرائيلية بدأت أمس تشغيل نقطة تفتيش جديدة داخل معبر كرم أبو سالم، يخضع فيها الفلسطينيون العائدون إلى قطاع غزة لإجراءات أمنية إضافية بعد استكمال إجراءات السفر عبر معبر رفح.
وأضافت المصادر أن الدفعات الأولى التي عبرت من خلال النقطة الجديدة خضعت لتفتيش دقيق للأمتعة والمقتنيات الشخصية، فيما أفاد عدد من المسافرين باكتشاف فقدان مقتنياتهم بعد انتهاء إجراءات العبور.
من جانبها، تقول سعاد عمران (37 عاما)، التي كانت تتلقى العلاج في مصر، لـ((شينخوا)) إنها اضطرت مع بقية المسافرين إلى النزول من الحافلات والسير مسافة تقارب كيلو مترا وهم يحملون أمتعتهم حتى الوصول إلى منطقة الفحص الأمني.
وتضيف أن الحقائب وضعت في طوابير طويلة قبل إخضاعها لأجهزة الفحص الإلكتروني، ثم طلب من أصحابها فتحها وإفراغ جميع محتوياتها.
وتوضح أن عمليات التفتيش جرت تحت إشراف جنود إسرائيليين، بينما تولى عمال نقل محتويات الحقائب إلى صناديق مخصصة للفحص، وكانت كاميرات المراقبة تغطي مختلف أنحاء الموقع.
أما سامي الريس (53 عاما)، العائد من رحلة علاج في مصر، يقول إنه اضطر بعد انتهاء التفتيش إلى السير مرة أخرى مسافة طويلة وهو يحمل أمتعته حتى وصل إلى الحافلات التي نقلت المسافرين إلى داخل قطاع غزة عبر طريق يخضع لإجراءات أمنية مشددة.
وبحسب الريس، توقفت الحافلات عند عدة بوابات ونقاط مراقبة، فيما كانت مركبة تابعة للأمم المتحدة تتولى فتح بعض البوابات قبل السماح للحافلات بمواصلة السير.
وقال عدد من العائدين إن الإجراءات الجديدة أطالت زمن الرحلة وزادت من معاناة المرضى وكبار السن والأطفال الذين اضطروا إلى حمل أمتعتهم والسير لمسافات طويلة في ظل ارتفاع درجات الحرارة.
وتأتي هذه التطورات بينما تتواصل عودة دفعات من الفلسطينيين العالقين خارج قطاع غزة عبر معبر رفح وفق ترتيبات تشارك فيها أطراف دولية وإقليمية، في حين يبقى مسار العبور داخل القطاع خاضعا لإجراءات أمنية إسرائيلية.
ولم يصدر أي تعليق رسمي من السلطات الإسرائيلية بشأن آلية التفتيش الجديدة أو روايات المسافرين المتعلقة بفقدان أموال ومقتنيات شخصية خلال عمليات الفحص.
وكان المكتب الإعلامي الحكومي في غزة قال، في بيان، نهاية الشهر الماضي إن السلطات الإسرائيلية سمحت بسفر 8016 مسافرا (مغادرة وعودة) فقط من أصل 21800 مسافر كان يفترض تمكينهم من السفر منذ الاتفاق على إعادة فتح معبر رفح في فبراير الماضي.
ويرى الكاتب والمحلل السياسي الفلسطيني أكرم عطا الله أن تشغيل نقطة تفتيش جديدة داخل معبر كرم أبو سالم لا يمكن فصله، بحسب تقديره، عن السياسات التي تنفذها إسرائيل في قطاع غزة منذ اندلاع الحرب، معتبرا أن الإجراءات الجديدة تعكس توجها نحو إحكام السيطرة على حركة الفلسطينيين داخل قطاع غزة.
ويقول عطا الله إن إسرائيل" سعت منذ بداية الحرب إلى إعادة تشكيل الواقع الجغرافي والديمغرافي في قطاع غزة، واتخذت سلسلة من الإجراءات التي أثرت على حركة السكان، بدءا من أوامر الإخلاء والنزوح، وصولا إلى القيود المفروضة على التنقل والعبور".
ويضيف أن تشديد إجراءات العودة عبر كرم أبو سالم" يأتي في السياق نفسه، إذ يعكس توجها لفرض واقع ميداني جديد قد يستمر حتى بعد انتهاء العمليات العسكرية".
واعتبر أن استحداث نقطة تفتيش جديدة وإخضاع الفلسطينيين العائدين لإجراءات أمنية إضافية قد يشير إلى ترتيبات إسرائيلية طويلة الأمد لإدارة الحركة داخل القطاع.
وأوضح أن" هذه الإجراءات لا تقتصر على الاعتبارات الأمنية، وإنما قد تكون جزءا من منظومة أوسع لتنظيم حركة الفلسطينيين وفرض آليات رقابة أكثر تشددا على انتقالهم بين المعابر وداخل القطاع".
ويضيف أن هذه الإجراءات تأتي في ظل نقاشات سياسية إسرائيلية متواصلة بشأن مستقبل قطاع غزة، بما في ذلك مقترحات تناولت إعادة تنظيم الأوضاع الإدارية والأمنية، فضلا عن طروحات تحدثت عن تشجيع الفلسطينيين على مغادرة القطاع.
ويتابع إن هذه النقاشات" توفر إطارا يمكن من خلاله قراءة الإجراءات المستحدثة على المعابر وربطها بالتصورات المطروحة لمستقبل غزة".
ويعتقد عطا الله أن الفلسطينيين يواجهون تحديات متزايدة نتيجة الحرب وتعقيدات السياسة والإنسان، وغياب التوافق الداخلي أضعف قدرتهم، مع بقاء خياراتهم محدودة مقارنة بالماضي.
وفي المقابل، يرى عمر الريفي أحد العائدين أمس أن رحلة العودة التي انتظرها طويلا انتهت بتجربة واصفا إياها بأنها مرهقة ومليئة بالإجراءات الأمنية.
وتساءل بشيء من الحسرة" لماذا يفرض على الفلسطيني في غزة أن يواجه كل أنواع العذاب سواء بقي في وطنه أو غادره؟ ".

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك