ساءل المؤرخ محمد معروف الدَّفالي استعمال باحثين مفهوم “استعمار” للتعبير عما كان المغرب عليه زمن الاحتلال الأجنبي، في إطار محاضرة تسائل السرديات والدراسات التاريخية، وتنتقد الاستعمالات التي ترادف بين “الحماية” و”الاستعمار”.
جاء هذا خلال فعاليات الملتقى الوطني الثاني للمعهد الملكي للبحث في تاريخ المغرب التابع لأكاديمية المملكة المغربية، المنظم بشراكة مع الجمعية المغربية للبحث التاريخي بعنوان “استقلال المغرب: الذاكرة والتاريخ”، يومي الأربعاء والخميس.
وقال محمد معروف الدفالي إن “الاستعمار مفهوم شكل ولا يزال يشكل ركيزة مفاهيمية لدراسة التاريخ بمختلف فروعه، وتطور العلاقات بين الدول”، ثم توقف عند ما حدث “بين 1912 و1956، أ استعمار أم حماية؟ لأن النتائج ليست نفسها باختلاف المصطلح، بينما نجد في كثير من السرديات والدراسات تقديما لهما كأنهما مترادفان”.
ويفهم المؤرخ هذا التداخل في السرديات في إطار “الصراع بين الوطنيين والحماية، حيث كان يستعمل مجازا الاستعمار، الذي تحكمت فيه أمور من بينها المشابهة بين المصطلحين، والتلازمية بينهما، والحلول؛ فالاستعمار يحلّ في الحماية”، لكن “الحماية ليست هي الاستعمار، وأي ترادف يكون مجازيا، فوضع البلد المستعمر ليس هو وضع البلد المحمي، الذي فيه نوع من الاستقلال الذاتي والدولة القائمة، بدل الاستيلاء على البلد”.
هذا ما يفسر كون “فصائل من المغاربة رفضوا محاربة الاستعمار لأنه سلطات معاهدة لا محاربة”، وهو “ما لا يمكننا فهم هذا الوضع إلا بالعودة لمؤتمر الجزيرة الخضراء، الذي يوضح أن المغرب لم يفقد استقلاله (…) بل كان الالتزام بأن تكون المنشآت باسم السلطان والمغاربة لا دولة من الدول (…) والحفاظ على الوحدة المغربية”.
ثم واصل المؤرخ: “نضال الوطنية منذ بداياتها إلى الاستقلال أنها تحارب دولة تحاول تحويل الحماية إلى استعمار، ولا تحترم مقررات الجزيرة الخضراء، التي هي البراءة الدولية والسند الذي استفاد منه المغرب كثيرا (…) فالحماية حادثة سير في تاريخ المغرب، لم تقتله، ولم تصبه بإعاقة، ومرت 44 سنة بشكل بسيط، فهي آخر دولة احتُلّت وأول دولة استقلت في المنطقة”.
وساءل الدفالي تقسيم مراحل المطالب الوطنية بين “المطالبة بالإصلاح” بين 1930 و1943، والمطالبة بالاستقلال بين 1944 و1955، موردا أن “المتتبع لسير الأحداث في المرحلتين يرى أن التقسيم غير مقنع لوجود تداخل بين المرحلتين”.
ثم تابع: “نجد علاقة المغاربة بالإصلاح منذ القرن التاسع عشر، حيث قدمت نخب خطط إصلاح للسلاطين (…) ومع فرنسا، المعاهدة تؤكد أن حضورهم كان للقيام بإصلاحات لجعل المغرب دولة قوية، عسكريا وتربويا (…) وبالتالي كان الصراع نقدا للإصلاح وتقديما لإصلاحات بديلة، لا تكون في مصلحة الحماية (…) بسبب الشعور بعدم المساواة، الذي دفع لنقد الإصلاح، ثم المطالبة بالاستقلال”.
وانتقد المحاضر “السردية المهمينة” التي تحصر “المطالبة باستقلال المغرب في مذكرة 11 يناير”، بينما توجد مذكرة سابقة على هذا التاريخ، ثم مذكرة 13 يناير للحركة القومية، ومطالبة الحزب الشيوعي المغربي بالاستقلال في 1946، وخطاب السلطان في طنجة الذي كان “وثيقة صريحة في المطالبة بالاستقلال ومحاكمة صريحة للحماية (…) كانت رد فعل على تهميش إريك لابون للسلطان (…) وهو ما لم تنسه الحماية”.
وحول تصورات الاستقلال، استحضر الدفالي مذكرة 23 شتنبر التفاوضية مع المقيم العام جوان على الاستقلال عبر مراحل، ثم بعد النصف الثاني من خمسينات القرن العشرين “كانت مشاكل بين الوطنيين، فهناك من يقول إن الاستقلال لم يكن كاملا، وتوجه جيش التحرير للجنوب لاستكمال التحرير”.
وتفهم هذه الاختلافات في “رأي الحركة الوطنية” أن “الاحتلال تم على مراحل، فيمكن الاستقلال على مراحل، والمهم هو الاعتراف بالاستقلال”.
وعكس سردية شائعة، ذكر المؤرخ أن “مؤتمر إيكس ليبان حمّل ما لا يحتمل، وهو مجرد جلسات استماع، وانتبهت الحماية في مرحلته للسلطان الذي لم تكن توليه أهمية كبيرة، مع مطالبة الحركة الوطنية والحركة المسلحة بالاستقلال وعودة السلطان؛ علما أن الاهتمام بقضيتين يعني أن قضية ستنال اهتماما أكثر من أخرى، ومالت كفة عودة السلطان، ولذا نحتفي بالاستقلال في ذكرى خطاب العودة”.
وتابع: “إيكس ليبان كان مفاجئا غير منتظر، وكان هناك وطنيون في السجون والمنافي (…) ولا أحد كان مهيأ للتفاوض مع الفرنسيين في هذه المرحلة، وكل الأطراف طرحت عودة السلطان أولوية ثم النقاش بعد ذلك”، وفي الحقيقة “لا يمكن فهم الاستقلال خارج بيان نقاش المسائل المبدئية بين الفرنسيين والسلطان”.
ثم ختم بالقول إن الملك محمدا الخامس قبل الاستقلال “استعمل لفظة حماية مرة واحدة، وربطها بلفظ الحجر، واستعمل كلمة أزمة، ولم يستعمل كلمة استعمار”.
وفي افتتاح الموعد الفكري التاريخي السنوي، قال عبد الجليل لحجمري، أمين السر الدائم لأكاديمية المملكة المغربية، إن “المغرب أمة عريقة في التاريخ وحضارة مديدة في الزمن، لا تحتفي باستقلالها وتمجده فحسب، بل جبلت عليه في بنياتها التاريخية الطويلة، بما يرمز إليه من حرية وكرامة وسيادة (…) وصرف المغاربة الغالي والنفيس لحفظ استقلالهم وحريتهم وعزتهم الوطنية، رغم قلة عدد سنوات الاستعمار”.
وتابع: “بعد فرض نظام الحماية على المغرب، وتصاعد المقاومة المسلحة، والحفاظ على الحرية والاستقلال، ثم بوادر مقاومة سياسية سلمية، احتجاجا على ظهير 16 ماي 1930 (…) ثم المطالبة باحترام الإطار التعاقدي، ولما استعصى الإصلاح المذكور، واشتد عود الحركة وقوي شأنها وانتشر فكرها، وبدلت أحوال العالم في سياق الحرب العالمية الثانية، انتقلت الوطنية المغربية في المنطقتين الخليفية والسلطانية إلى المطالبة بالاستقلال، معبرة عن معادلة كفاحية (…) للوصول إلى الاستقلال والمطالبة به، ثم المطالبة بالإصلاح (…) واختيار فرنسا مسلك العنف والقمع في مواجهة مطالب الاستقلال والوحدة الوطنية، والمس برمز السيادة”، وهو ما قاد إلى مقاومة تضافرت فيها جهود الوطنيين، وتضامن فيها مع المغاربة الليبراليون الفرنسيون، وقادت إلى “عودة السلطان الشرعي إلى عرشه، واعتراف فرنسا باستقلال المغرب”.
وكان هذا “ثمرة لجهود الأمة المغربية قاطبة، نساء ورجالا، بمختلف جهاتها، وبجهود المقاومين والعمال، وسكان المدن والبوادي، وبمناصرة ليبراليين فرنسيين كاثوليك وعلمانيين، استقبل السلطان كثيرا منهم بعد استقلال المغرب شكرا لهم، كما ساهم الدعم عبر الأمم المتحدة وجامعة الدول العربية ودولها”، واستمر بعد الاستقلال “مسار استكمال الوحدة الترابية، الذي تشكل المسيرة الخضراء أحد تجلياته الكبرى”، علما أن “حدث الاستقلال استئناف لعطاء مغربي كبير”، حفظته “الذاكرة المغربية (…) ونقلته للأجيال المستقبلية، وهو ما يطرح سؤال دراسة وتقييم تمثلات الذاكرة لهذا الحدث”، و”ضرورة مساءلة المنجز التاريخي في الموضوع، ونقده، في أفق تطويره، بعد سبعين سنة من استقلال المغرب (…) واستكشاف قضايا منسية، وتسليط الضوء على عتماته وما أهمل وهمش فيه، وفق مقاربة أكاديمية شاملة”.
رحال بوبريك، مدير المعهد الملكي للبحث في تاريخ المغرب، ذكر أن هذا الموعد “يتيح فرصة للتأمل في مكانة حدث الاستقلال في الذاكرة الجماعية”، مردفا: “نطمح إلى أن يصير الموعد السنوي تقليدا راسخا، بشراكة مع واحدة من أعرق الجمعيات العلمية بالمغرب، الجمعية المغربية للبحث التاريخي التي ساهمت في ترسيخ البحث الأكاديمي في مجال التاريخ”، مستحضرا جهود الرئيسة السابقة للجمعية المؤرخة الراحلة لطيفة الكندوز”.
ومن بين ما استحضره بوبريك بمناسبة الذكرى السبعين للاستقلال أن “استكمال السيادة لم يكن حدثا آنيا، بل مسارا مستمرا”، عادت فيه لأرض الوطن طرفاية، وسيدي إفني، وصولا إلى إقليم وادي الذهب في سنة 1979.
وذكر بوبريك أن المؤرخ المغربي قد انشغل بمواكبة مسار بناء الدولة الوطنية الحديثة، في إطار دفاع المغرب عن حقوقه الوطنية المشروعة، وتأسست مدرسة تاريخية وطنية لتجاوز الإرث الكولونيالي في تفسير تاريخ المغرب، مع الحفاظ على الصرامة الأكاديمية.
واليوم يتجدد السؤال “كيف يمكن كتابة تاريخ الوطن دون السقوط في الخطاب التمجيدي؟ ”، فقد “ظل استقلال المغرب منذ لحظة تحققه حاضرا بقوة في وجدان المغاربة والخطاب السياسي والتربوي، وصار أحد أبرز معالم الذاكرة الجماعية (…) ورغم دور الذاكرة الأساسي في حفظ الأحداث، تبقى متأثرة بالسياقات، مما يحتاج النقد العلمي (…) وتعميق فهم المرحلة وإغناء معرفتنا بها”.
عبد الكريم مدون، رئيس الجمعية المغربية للبحث التاريخي، تحدث من جهته عن “إشكالية مركزية في الدراسات التاريخية المعاصرة، وهي العلاقة الجدلية بين التاريخ والذاكرة، بوصف الذاكرة تمثلا اجتماعيا للماضي”، مردفا أن “مرور سبعين سنة على استقلال الغرب يفرض على المؤرخين وقفة منهجية؛ لأن الأمر لم يعد حدثا راهنا، بل حدثا تاريخيا (…) ينبغي النظر في تاريخه ورواياته وسردياته الكبرى”.
وبعدما قطع البحث التاريخي في المغرب “أشواطا مهمة”، تحدث المؤرخ عن “تحدي تأصيل وتطوير المناهج” والعمل “من أجل مأسسة التفكير الجماعي في قضايا تاريخ المغرب (…) لأن البحث التاريخي الرصين عمل جماعي ومؤسساتي بدرجة أولى”.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك