في كل مرة تتوقف أزمة ليبيا عند طريق مسدود، تُطرح مبادرات الاختراق والحلحلة لإعادة إطلاق العملية السياسية.
وفي هذه المرة تصدرت المشهد مبادرة أميركية يقودها كبير مستشاري الرئيس الأميركي للشؤون العربية والأفريقية مسعد بولس، التي بدأت تظهر نفسها بخطوات عملية على الأرض، وتلقى اهتمام الرأي العام المحلي والدولي.
غير أن السؤال الذي يطرح نفسه بشأن هذه المبادرة لا يتعلق بقدرتها على النجاح، بل بطبيعة الحل الذي قد تنتجه إذا كُتب لها المضي إلى الأمام.
تقدم المبادرة نفسها باعتبارها حلاً يقوم على التدرج لتوحيد المؤسسات في مسار يبدأ بالمؤسسة العسكرية فالاقتصادية، وصولاً إلى الهياكل السياسية.
وقد يكون هذا المنطق مقبولاً إلى حد كبير لاختلافه عن المبادرات السابقة التي تصبو إلى إجراء الانتخابات في ظل تفكك مؤسسات الدولة الأمنية والاقتصادية وغيرها، لتعيد الأزمة تكرار نفسها.
لكن ما الثمن السياسي الذي قد يدفعه الليبيون من جراء هذه الفكرة التي تقوم عليها" مبادرة بولس"؟يبدو الثمن باهظاً ويتمثل بتحويل الحل المؤقت إلى حل واقع دائم، فالمبادرة لم تخفِ أنها تقوم على المفاوضات المباشرة بين أكثر طرفين فرضا نفسيهما واقعاً قائماً؛ حكومة الوحدة الوطنية في طرابلس وقيادة" الجيش الوطني" ببنغازي (بقيادة اللواء المتقاعد خليفة حفتر).
وغني عن البيان أن فرض الطرفين نفسيهما أمراً واقعاً، قام على نفوذهما الكبير في مؤسسات الدولة ومواردها، وصارا المتحكمين في القرار، حتى إنهما في العديد من المرات تقاربا بشكل كبير، إلى حد المشاركة في إدارة بعض المؤسسات، كما حدث في المؤسسة الوطنية للنفط.
من هذه الزاوية يمكن استجلاء شكل الثمن السياسي للمبادرة الأميركية من ناحية طرح سؤال: هل هي مشروع لإعادة توحيد المؤسسات اللازم لإجراء الانتخابات؟ أم أنها مشروع لخلق حكم طبقة سياسية وتعزيز وجودها أكثر في المشهد؟ الواقع أن الرؤية الأميركية، وإن كانت تقول إنها تسعى لتوحيد المؤسسات، إلا أنها تطرح الحل بمنطق آخر يتمثل بتفاهم النخب حول تسوية سياسية.
لم تحدثنا المبادرة الأميركية عن الضمانات: من يسائل الطرفين إذا تمكنا من السلطة؟ وما الضوابط التي تضمن التداول على السلطة والتجديد السياسي؟هدف الليبيين ليس الاستقرار، ولو جاء على حساب تجديد الشرعية.
وبمعنى أوضح، فالدعم الأميركي الذي بدأ يظهر في استضافة ممثلين عن الطرفين في واشنطن، كما حدث في الأيام الماضية باستقبال ممثلين عسكريين من طرابلس وبنغازي في وزارة الخارجية الأميركية، ومحاولات الحشد الإقليمي كما يظهر في اجتماعات بولس في العواصم الإقليمية، لا يعني إلا أنها مبادرة لتمرير المصالح وحفظها وفق الواقع القائم.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك