تُعد قضايا الحضانة والزيارة من أكثر القضايا الأسرية حساسية لارتباطها المباشر باستقرار الطفل النفسي والاجتماعي، ورغم أن التشريعات القانونية وُضعت لحفظ الحقوق وتنظيم العلاقة بين الوالدين بعد الانفصال فإن التحدي الحقيقي لا يكمن في صدور الأحكام القضائية فحسب بل في تنفيذها بما يراعي احتياجات الطفل النفسية والاجتماعية ويحفظ له شعوره بالأمان والاستقرار، فالأطفال غالباً ما يكونون الطرف الأكثر تأثرًا بالنزاعات الأسرية الممتدة، لا سيما عندما تستمر الخلافات بين الوالدين بعد انتهاء العلاقة الزوجية.
ومن واقع الخبرة العملية والحالات الأسرية، يتضح أن الطلاق في حد ذاته ليس دائمًا السبب الرئيس للآثار النفسية التي قد تظهر على الأطفال، وإنما تكمن المشكلة في كيفية إدارة العلاقة بين الوالدين بعد الانفصال فعندما تستمر الخلافات ويتحول التواصل بينهما إلى ساحة للصراع، يجد الطفل نفسه عالقًا بين طرفين يسعى كل منهما إلى إثبات موقفه أو الدفاع عن حقوقه، فيتولد لديه شعور بالارتباك وفقدان الاستقرار وفي كثير من الأحيان يصبح الطفل شاهدًا على الخلافات أو وسيلة لنقل الرسائل بين والديه، الأمر الذي يحمله أعباءً نفسية لا تتناسب مع عمره ولا مع قدرته على الاستيعاب.
وتُظهر العديد من الحالات كذلك أن بعض الأطفال يعيشون صراعًا داخليًّا نتيجة محاولات التأثير في مشاعرهم تجاه أحد الوالدين أو دفعهم إلى تبني مواقف معينة ومع تكرار هذه الممارسات تتولد لديهم مشاعر متناقضة تجمع بين الحب والخوف والولاء والذنب فيترددون في التعبير عن مشاعرهم الحقيقية خشية إغضاب أحد الوالدين أو فقدان رضاه، وقد ينعكس ذلك على سلوكهم اليومي في صورة قلق مستمر أو انطواء أو عصبية زائدة أو تراجع في المستوى الدراسي أو صعوبة في التركيز فضلًا عن ظهور أعراض نفسية وجسدية مرتبطة بحالة التوتر التي يعيشونها.
وفي بعض الحالات، يرفض الطفل الزيارة أو التواصل مع أحد الوالدين وهو أمر قد يُفسر على نحو غير دقيق باعتباره رفضًا للطرف الآخر، بينما تكشف الوقائع أن هذا الرفض قد يكون انعكاسًا للخوف أو الضغط النفسي أو لصراع الولاءات الذي يعيشه الطفل، ومن هنا تبرز أهمية فهم مشاعره والاستماع إليه بعيدًا عن أي تأثيرات أو ضغوط خارجية إذ إن الطفل في كثير من الأحيان لا يحتاج إلى تغيير موقفه بقدر ما يحتاج إلى بيئة آمنة تتيح له التعبير عن مشاعره بحرية وطمأنينة.
ومن الملاحظ أيضًا أن استمرار النزاعات المرتبطة بالحضانة والزيارة قد يحرم الطفل من حقه الطبيعي في بناء علاقة متوازنة وصحية مع كلا الوالدين، وهو حق أصيل يسهم في نموه النفسي والاجتماعي السليم فكلما شعر الطفل بأنه مطالب بالانحياز إلى أحد والديه على حساب الآخر، ازدادت صعوبة تكيفه مع الواقع الجديد، وتأثرت ثقته بنفسه وإحساسه بالأمان الأسري.
ومن هنا تبرز أهمية ترسيخ مفهوم الطلاق الحضاري، القائم على الفصل بين الخلافات الزوجية والعلاقة الوالدية، بحيث تستمر مسؤولية الأب والأم تجاه أبنائهما بمعزل عن الخلافات الشخصية فنجاح الوالدين في إدارة مرحلة ما بعد الانفصال بوعي ونضج وتوازن ينعكس بصورة مباشرة على قدرة الأبناء على التكيف النفسي والاجتماعي ويحد من الآثار السلبية التي قد ترافق هذه المرحلة.
وختامًا، فإن تنفيذ أحكام الحضانة والزيارة لا ينبغي أن يُنظر إليه بوصفه إجراءً قانونيًّا فحسب بل باعتباره مسؤولية إنسانية وأسرية تستوجب مراعاة الجوانب النفسية والاجتماعية للطفل، فالمصلحة الفضلى للطفل لا تتحقق بمجرد تنفيذ الحكم وإنما تتحقق عندما يشعر بالأمان والاستقرار ويتمكن من الحفاظ على علاقة صحية ومتوازنة مع كلا والديه بعيدًا عن الصراعات والخلافات بما يضمن له نموًّا نفسيًّا واجتماعيًّا سليمًا، ومستقبلًا أكثر استقرارًا.
* أخصائي العلاج النفسي في قسم البحث الاجتماعي بالنيابة العامة.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك